ثمة غيوم سوداء تتجمع شيئا فشيئا فوق السماء العربية عموما والسماء اللبنانية على وجه الخصوص تؤشر جميعها على أن ثمة سوء اكبر يحضر للبنان والعرب من ذلك السوء الحاصل حتى الآن ما لم يشد العرب والمسلمون المعنيون من حولهم رحالهم إلى لبنان لإنقاذه مما هو فيه من حالة اسر عامة للبلد أخذته وشعبه جميعا رهينة من أجل ما بات يعرف بالحسم النهائي لنتائج معارك أميركا الإقليمية والدولية بما يتناسب وطموحات المشروع الأميركي الإمبراطوري العالمي!
وبموازاة ذلك أيضاً يمكن القول بأن ثمة فضاءات غير مشجعة على الإطلاق تحوم حول الملف اللبناني بشكل خاص لا توحي أبدا بقرب الانفراج على صعيد ما بات يعرف بالاستحقاق الرئاسي. فلا المبادرة العربية تمكنت من تحقيق اختراق يقرب بين رؤية الموالاة والمعارضة أو هي في طريقها إلى ذلك.
ولا المعادلة الدولية باتت مهتمة بحل لهذه المعضلة أو حتى التفكير بمثل هذا الملف بعد أن صار لبنان كله وراءها في ظل الصراعات المحتدمة على مناطق النفوذ الأفرو ـ آسيوية من جهة ودخول الأميركيين في الحمى الانتخابية التي قد تنسيهم حتى جنودهم المنتشرين في مختلف بقاع الأرض من جهة أخرى!
على صعيد آخر فإن تقرير فينوغراد الذي كشف عورة الإسرائيلي «الذي لا يقهر» والذي قد يكون سببا في استنفاره على أكثر من صعيد في محاولة لرد الاعتبار لعنجهيته التي تمرغت فوق التراب اللبناني وزاد عليها الوضع الملتهب في غزة وعملية ديمونة الفدائية النوعية، ما قد يدفع الحاكم الإسرائيلي الطائش لارتكاب حماقة جديدة تجاه لبنان أو كحد أدنى تجاه غزة.
وهو الأمر الذي بدأت مؤشراته تلوح في الأفق في الأيام الأخيرة من خلال تكثيف الطلعات الجوية الصهيونية في السماء اللبنانية وتكرار الخروقات ورفع درجتها إلى مستوى اغتيال مواطنين لبنانيين وجرح آخرين، وتزايد الدعوات العلنية لاغتيال رجال حكومة حماس المقالة ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال الإسقاط المتعمد للقرار 1701 من جهة
والتنكر النهائي لمقررات أو توصيات أنابوليس الأميركية الدولية من جهة أخرى. وهو ما يمكن أن يترتب عليه تداعيات خطيرة قد تجعل اندلاع المواجهة في المنطقة مسألة وقت وتوقيت مناسب تبحث عنه إسرائيل لرد الاعتبار لقادتها المنهارين في الداخل والممسوكين بإرادة دولية محضة لأجل أن يربح بوش المعركة الانتخابية أكثر من أي شيء آخر!
الوضع الداخلي اللبناني هو الآخر يمر بواحد من أسوأ أنواع التخبط والانقسام والأزمات المطلبية المستفحلة على أكثر من صعيد ومن جهة، فيما وصل التصعيد الكلامي والتراشق الإعلامي والانقسام السياسي بين فريقي الموالاة والمعارضة من جهة أخرى
إلى الدرجة التي يصعب معها «اجترار» ما بات يسميه اللبنانيون «التكاذب المشترك» حول صيغة مناسبة لما يمكن تسميته بالحل التوافقي خاصة بعد أحداث الأحد الأسود ووصول العلاقة بين الطرفين إلى ما يشبه الطلاق البائن!
ما يجعل الداخل اللبناني بيئة صالحة ومناسبة للتفكير بشن مواجهات جديدة ضد لبنان ومقاومته العسكرية والسياسية في محاولة لدق أسافين الفتن المتنقلة في الداخل اللبناني من جديد، أكثر مما يشاع عن وجود مساع حميدة للمصالحة والتلاقي بين الأطراف المختلفة وأن العمل جار على قدم وساق لعقد التسويات فيما بينها على قاعدة لا غالب ولا مغلوب بين الفرقاء
كما هو معلن في الظاهر، فيما يبدي اللبنانيون تشاؤما متناميا حول الحلول التي تأتي من الخارج ويصفونها بأنها ما هي إلا مساع من اجل ذر الرماد في العيون كما صار اللبنانيون يرددون بصوت عال ومسموع للقاصي والداني!
كل هذه العوامل والمؤشرات توحي بان لبنان لا يمكن أن يبقى طويلا على هذه الشاكلة وان انفجار الأوضاع فيه أو من حوله أمر قد يقع في أية لحظة وتحت أية حجة أو ذريعة ما لم تتدخل «المعجزة الربانية» لإنقاذه مما يخطط له من مؤامرات جهنمية!
المطلعون على تفاصيل وخبايا الوضع اللبناني الداخلي وما أحاط ويحيط به من تعقيدات وتشابكات وتحديات يقطعون بأن الحل الوحيد المتوفر والمتاح لمنع الانفجار هو إذعان ما يسمى بالموالاة لشروط حكومة مشاركة حقيقية ووحدة وطنية في إطار سلة متكاملة من الحل تتجاوز «سطحية» الاتفاق على اسم الرئيس،
وهو الأمر الذي لطالما أصرت عليه المعارضة وعاد الجنرال عون بحضور السيد حسن نصر الله على تأكيده في لقائهما المشترك في احتفالية الذكرى السنوية لورقة التفاهم بين الرجلين والتيارين والحزبين الأكثريين،
رغم قدرتهما الواضحة والأكيدة على حسم المعركة الداخلية لصالحهما بكل سهولة لولا حرصهما على السلم الأهلي ومنع تحقق مخطط الفتن المذهبية المتنقلة المعدة لكل قطر عربي وإسلامي على قاعدة العرقنة التي باتت أنموذج الخيار الأميركي لكل نزاع أو اختلاف فيما تسميه بأقطار الشرق الأوسط الجديد والموسع!
هذا الوضع الاستثنائي قد يدفع بالعدو الصهيوني المحشور في الزاوية للتفكير مجددا للاستفراد بلبنان، وهو ما لن يمر بسهولة هذه المرة أبدا كما صار معلوما وقد يفتح حربا من نوع جديد ستغير وجه المنطقة وربما التاريخ المعاصر كله كما سبق وحذر الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله،
وعندها سيكون متأخرا جدا على أي وسيط عربي أو دولي أن يفعل شيئا تجاه لبنان، تماما كما سيكون متأخرا جدا على فريق الموالاة اللبناني القبول بأية صيغة توافقية للحكم، هذا إن بقيت أصلا تشكيلة ما يعرف اليوم بالموالاة على المسرح السياسي اللبناني!
إن لبنان اليوم على مفترق طريق خطير فإما أن يحسم أهله خيار وجهته المقبلة بالتوافق والتراضي وتحديدا باتجاه العض بالنواجذ على عروبة لبنان والتوافق على إعلانه بلدا مستقلا ومتحررا من أية التزامات تجاه المشروع الأميركي الشيطاني،
وكذلك عدم القبول باعتماد أرضه مقرا ولا ممرا للتآمر ضد سوريا كما ينص اتفاق الطائف، أو أن يقع في المحظور فيتم هذا الحسم من خلال اندلاع حرب ستكون هذه المرة لاشك أقوى واشد وأكثر خطورة من حرب يوليو الماضية!
العارفون ببواطن الأمور هذه يسارعون بالقول إنه وما على الرسول إلا البلاغ وانه قد أعذر من أنذر من الوسطاء الإقليميين أو الدوليين، كما أنه لن ينفع الندم غدا من جانب أي من الأطراف المحلية المتورطة في مشروع الفتنة الكبرى المعدة للبنان،
كما لن يبقى مجال كذلك لأحد للوقوف على الحياد هذه المرة كما يقولون، لان المعركة هذه المرة ستكون شاملة وقاسية ولن يفلت احد من المترددين من دون عقاب مهما كانت حجته الظاهرية تبدو وكأنها قانونية
أو عقلانية لان المعركة ستكون هذه المرة معركة وجود لا معركة حدود كما نسمع في الأروقة الخلفية للمخططين لمثل هذه الحرب أو المتوقعين إياها والمستعدين للرد عليها بكل ما أوتوا من قوة ومن رباط الخيل وغير الخيل.
كاتب إيراني