وأخيرا حصل الانفجار الذي أعاد خلط الأوراق وأثبت أنه لا يمكن الاستمرار في التعايش مع الوضع القائم في غزة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة وضبط هذا الوضع تحت سقف أمني سياسي معين والاستمرار في سياسة دفن الرؤوس في الرمال.
جملة من الحقائق والعبر والدروس كشفها وأكدها الانفجار الغزاوي.
1 ـ إن سياسة الحصار والتجويع والدمار وصوملة غزة لا توفر الأمن لإسرائيل ولا يمكن أن تحدث ثورة ضد حماس كما هدفت هذه السياسة بل إن ما حصل هو في واقع الأمر «ثورة» ضد الاحتلال وقلب الطاولة على الجميع.
2 ـ انه لا يمكن تحويل القضية الفلسطينية من قضية وطنية في الوجدان الفلسطيني والعربي إلى مجرد قضية جغرافية يسهل تقسيمها إلى جغرافيا غزاوية وأخرى ضفة غرباوية والتعامل مع كل منهما على حدة واعتبار أن لا تأثير أو تأثر متبادل بين «الجغرافيتين».
3 ـ إن غزة رغم الانسحاب الأحادي الإسرائيلي تبقى مسؤولية إسرائيلية على الأصعدة القانونية الدولية والسياسية والأخلاقية حيث إن الممارسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تؤكد ذلك كل يوم.
4 ـ إن السلطة الفلسطينية لا يمكنها أن تدخل في سياق سياسي تفاوضي مع إسرائيل مع التذكير انه لا توجد مفاوضات بالفعل بل مجرد وعود في وقت تعاني فيه غزة ما تعانيه ايا كانت طبيعة الخلافات بين السلطة وحمال الطرف المسيطر على غزة.
5 ـ إن إستراتيجية صواريخ القسام هي إستراتيجية سياسية بامتياز حاملة لرسالة حماسوية عنوانها «لا يمكنكم تجاهلنا» ونحن موجودون في قلب المعادلة وبالتالي المطلوب التعامل معنا كطرف أساسي شريك ومقبول ايا كانت المسافات القائمة بين المواقف في الإدارة السياسية الدبلوماسية للقضية الفلسطينية. ذلك يستدعي أيضاً سلوكية في غزة ولغة أكثر مرونة وأقل عقائدية دون التخلي عن الثوابت بالطبع في السلوكية السياسية والعملانية لحماس.
6 ـ لا يمكن للعرب الاستمرار في موقف المناشد والمتمني والداعي للتفاوض والمتفرج المعني والمنشغل أمام اهتراء الأوضاع وتعمق الانسدادات القائمة لأن ارتدادات الزلزال ستطال الجميع العربي ولو بأشكال مختلفة وأوقات مختلفة بل يفترض الانفجار الغزاوي أن يدفع العرب لتوظيف إمكاناتهم وعلاقاتهم وتحالفاتهم في إحياء حقيقي للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وفي الدفع لتوفير الشروط الضرورية لهذا الأمر.
7 ـ الموقف الدولي وخاصة الأوروبي لا يمكنه الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية والإدانات الخفيفة في لغتها الدبلوماسية للممارسات الإسرائيلية والاختباء وراء الشروط المعروفة للقبول بالتعامل مع حماس. فواقعيا وعمليا لا يمكن وضع عربة الشروط هذه أمام حصان دفع التفاوض إلى الأمام.
8 ـ لم يعد من الممكن العودة إلى اتفاقية المعابر لعام 2005 ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء فالمعبر لا يتطلب إعادة بناء مادي فقط بل هو بحاجة لبناء سياسي جديد ومختلف يعالج «الثغرات» الحقيقية التي أدت إلى سقوطه والتي قد تؤدي إلى سقوطه مرات مستقبلا إذا لم يتم التعامل معه بشكل جديد.
9 ـ الوضع القائم ومحاولة احتوائه وإعادة تثبيته بالحد الأدنى الممكن لم يعد سهلا وهو قابل للانفجار وربما بشكل أكثر خطورة في المرة القادمة.
10 ـ دلت الأزمة أن هنالك ترابطا كبيرا وتداخلا شديدا بين أدوار وسياسات مختلف الأطراف المعنية في القضية الفلسطينية فلا يمكن عزل أو تجاهل أي طرف أو فرض شروط غير واقعية عليه للقبول به عضوا في نادي إدارة وتسوية النزاع.
الحالة الراهنة تدفع إلى أربعة مشاهد مستقبلية محتملة:
أولها محاولة التوصل إلى تهدئة تشكل أساسا لتسوية مؤقتة حاملة لأنصاف حلول. تسوية تبقى هشة ومعرضة للانهيار في أي لحظة طالما انها تسوية دبلوماسية فوقية لا تتعامل مع ضرورة تغيير الواقع الفلسطيني الذي هو مصدر الانفجار الحقيقي.
وثانيها، حصول انتفاضة ثالثة والزلزال الكبير الذي يعيد خلط كافة الأوراق والحامل لتداعيات تتخطى الإطار الفلسطيني لتفرض ذاتها على التفاعلات السياسية والأمنية في المنطقة من خلال زيادة منسوب التوتر وزيادة التعقيدات في أزمات المنطقة، الشديدة التعقيد أساسا.
وثالث هذه السيناريوهات أو المشاهد ما تحاول إسرائيل القيام به وما يبقى مشروعا إسرائيليا جاهزا دائما وعنوانه العودة إلى ما قبل 1967 من خلال فصل غزة عن الضفة ودفع القطاع إلى مصر وجعله مسؤولية مصرية دخولا إلى ذلك من الباب الإنساني والأمني والتضامني العربي وهذا سيناريو إسرائيلي قائم منذ مطلع السبعينات شهد العديد من المحاولات والإغراءات الفاشلة.
ومقابل ذلك وبالتوازي معه ستعود إسرائيل لإحياء الخيار الأردني في الضفة الغربية مقابل الخيار المصري في غزة فاذا كان الاحتلال عام 1967 قد أدى إلى فلسطنة القضية الفلسطينية في الجغرافيا والإدارة والأطراف المؤثرة بشكل أساسي فان إسرائيل تحاول بعد أربعين عاما إعادة تعريب القضية الفلسطينية على حساب فلسطنتها بالعناصر ذاتها المذكورة سابقا لتنهي هذه القضية وتنتهي منها مستفيدة بشكل أساسي من الصراع الفلسطيني الفلسطيني.
والمشهد الرابع، قد يتأتى من أن الأزمات الحادة قد تكون احيانا أزمات خلاقة وضاغطة باتجاه التسوية بعد تبلور القناعة بأن الجميع خاسرون من خلال الوضع القائم وان المخرج الوحيد لتلافي الخسارات المختلفة هو عبر التوصل إلى التسوية الشاملة للأزمة.
هذه التسوية تستدعي توفر ثلاثة شروط أولها التوصل إلى هدنة إسرائيلية حماسوية، هدنة مستقرة تعززها عملية تبادل «الأسرى والسجناء»، وثانيها إحياء الحوار الفلسطيني الفلسطيني وتحديدا توجيه رسالة عربية واضحة وحازمة للضغط لإنجاح هذا الحوار كشرط ضروري للولوج إلى مفاوضات ناجحة وذات مصداقية مع إسرائيل.
ولكن قبل ذلك كشرط وجودي لمنع انهيار القضية الفلسطينية وتحولها إلى قضية فلسطينيين. شرط هذا الحوار أن يعترف كل طرف بعدم قدرته على إقصاء الآخر وعلى التفرد بالقرار ايا كانت رهانات اللحظة التي تصور له ذلك ممكنا، وشرط الحوار أيضاً الاقتناع أن العمل السياسي والعمل المقاوم ليسا طرفي نقيض.
بل هما مكملان لبعضهما البعض وان العناوين الإيديولوجية لا يمكن أن تشكل بديلا عن ضرورة التعامل مع الواقع وتحديد الأهداف الإستراتيجية على أن تبقى محكومة بالثوابت الوطنية فلا مقاومة دون إطار سياسي وأهداف سياسية ولا سياسة أو أهداف وطنية يمكن تحقيقها دون أن تستند إلى إمكانات وقدرات المقاومة.
وثالثا إعادة إحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بمواكبة وضمانة وقوة دفع دولية. دون ذلك ستكون إعادة بناء المعبر بمثابة عملية شراء وقت فالقضية لا تختصر بمعبر بل هي في حقيقة الأمر قضية العبور إلى التسوية الشاملة والعادلة
كاتب لبناني