* وَهْمُ الصراع بين الوطنية والديمقراطية

ليس من التشاؤم القول إننا خرجنا من صراع القوى في القرن العشرين وقد تحطمت قوانا، فمفهوم القوة السائد عربيا لا يعني إلا القوة العسكرية، وللمفارقة لم يؤد هذا لضمان الأمن العربي المحاصر بتهديدات عديدة. لكننا خرجنا من العصر الذهبي للأفكار بوهم، ترسخ حتى صار يبدو علامة مميزة، هو أن بلادنا تشهد صراعا بين الوطنية والديمقراطية.

أما الأفكار التي لاكتها ألسنة المثقفين وأقلامهم عقودا، فظلت مجرد مقولات لم تختبر في معتركات حقيقية تساعد على بلورتها، ولذا فليس غريبا ألا توجد اشتراكية عربية، أو ليبرالية عربية، فهي في وجودها النخبوي مجرد ترجمة عربية لأفكار غربية، كأنها مقتنيات متحف فكري مفتوح!

وتحت هذه المظلة هناك خلط بين الهوية والأيديولوجيا والسياسة، فالهوية محصلة تفاعل طويل بين عوامل كثيرة (دينية ـ ثقافية ـ اجتماعية ـ اقتصادية ـ لغوية) وهي متغيرة تطالها التحولات وإجاباتها هي بالأساس عن أسئلة ثقافية. أما الأيديولوجيا فتكاد تكون نقيض السياسة، فالسياسة مفاوضة ومواءمة ولا تقبل الأيديولوجيا ذلك إذ تبدأ من امتلاك القول الفصل المطلق، وهي نقطة تنتهي عندها السياسة!

ولنعد للوراء قليلا، فمنذ قرنين تقريبا، وقضية النهوض همّ عربي لا يتوقف المثقفون العرب عن الاجتهاد لتحديد سياقاته وممكناته، وبعد قرنين لم نزل ندرس الإشكاليات، بينما تجارب النهوض شرقا وغربا تتوالى في مجتمعات لا تملك ما نمتلكه من قدرات مادية ومعنوية وبعضها عانى قسوة عامل خارجي يبلغ أضعاف ما عانيناه.

ومن يتأمل ال«وصفات» المطروحة للعلاج يجد قوائم سوداء تحدد ما يجب هدمه، أما ما يجب بناؤه فلا يكاد يعرفه أحد، فهناك دعوات لمواجهة الاستعمار واستغلال رأس المال والقضاء على الرجعية، وكأن النهوض إذا قمنا بذلك سيأتي حتما، لأنه قدر عربي قادم لا محالة، لا يمنعه إلا هذه الحواجز.

ولأننا لا نكاد نجد تصورا نظريا متكاملا لمشروع نهوض عربي، فإن محاولاتنا المجهضة تخضع للتقييم في ضوء دور العامل الخارجي أو كفاءة التنفيذ وحسب، أما مرتكزات الرؤية فلا نكاد نقيمها.

بل إن أحدا لا يستطيع تبرير حتمية ارتباط العروبة بالاشتراكية، كما لو كان اقترانهما قدرا، رغم أن الرأسمالية قبل المد العروبي كانت موجودة تحقق نجاحات مشهودة، واعتبارها «ثمرة محرمة» لا يبرره ماضي الاستعمار في بلادنا.

والأمر نفسه ينطبق على الارتباط غير المبرر بين القومية والاستبداد وبالتالي الموقف العدائي الذي تتخذه الثقافة القومية من الديمقراطية، وبخاصة أن بلادنا شهدت قبل موجة الانقلابات العسكرية القومية تجارب ديمقراطية، ما يعني أن الاستبداد لم يكن حتميا.

وقد أصبح صدور التقارير التنموية الدولية مناسبة سنوية لنشعر بالحرج، والدرس الأهم فيها يتجاوز الأرقام والإحصاءات إلى ضرورة الاعتراف بفشلنا، كشرط موضوعي للبحث عن بداية جديدة، بداية لا نخلط فيها بين الهوية والأيديولوجيا.

وفيها أيضاً لا تصادر النخب حقوق الناس في الاختيار والإبداع. وفي الوقت نفسه تكون بداية لا تهدر فيها تجارب الآخرين الناجحة في التنظيم السياسي والاجتماعي، بسبب مواقفهم من قضايانا التي لا شك في عدالتها.

ومما يجب الاعتراف به أن أحوالنا ـ مع استثناءات قليلة ـ تتراجع في الاقتصاد والتعليم والحريات، وكأن بلادنا تغرق ببطء، وتتجه لمصير مظلم، بينما دعوات الإصلاح محاصرة بالشكوك والاتهامات، ومساعي التغيير مكبلة بأفكار وخيارات يريدها البعض «مقدسة»، ويعتبر التخلي عنها خروجا عن الوطنية وتخليا عن الهوية، رغم أنها في النهاية مجرد «خيارات» يجوز العدول عنها.

ومن لم يتعلم من دروس التاريخ فإنما يتجاهل أميز ما فضل الله به الإنسان، وهو أنه كائن «ذو تاريخ»، وبالتالي قادر على التعلم من خبرات السابقين، ومن أراد رؤية عاقبة السير ضد التاريخ فلينظر إلينا!

ومن الحقائق الثابتة في الاجتماع الإنساني أن بين البشر على اختلاف هوياتهم مشترك هو الفطرة، ولكن الصعود الكبير للعروبة تجاوز دوره في تعزيز الإحساس بالاختلاف عن الآخر «المستعمر»، ليصبح شرنقة تفصلنا عن العالم، حتى أصبحنا نختصر رؤيتنا لعلاقتنا بالعالم بعبارة واحدة: «إحنا حاجة ثانية».!

ودروس إعادة البناء بعد الحروب كثيرة وبعضها صادم، ومن حقائق التجربة اليابانية أنه بنهاية الحرب تحولت أكثر من مئة مدينة إلى رماد، وأعاد اليابانيون بناء ما دمرته الحرب في ثلاثة أعوام، فهل حالنا أسوأ من حالة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية؟

إن عبرة ذلك أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب أيسر كثيرا من إعادة بناء ما دمره الاستبداد، فنحن مثقلون ومقيدون بمنطق تفكير نخبتنا أكثر مما نحن محاصرون بمؤامرات الأعداء، ولا تنقصنا الفرصة، ولا الموارد، ولكن تنقصنا الشجاعة.

وللأسف، فإن كثيرا من مثقفينا خائفون من «الشارع»، وهذا يدفعهم أحيانا لإخفاء قناعاتهم ورفع شعارات جماهيرية، لاسترضاء الرأي العام، وبسبب ذلك، يزداد بشكل ملحوظ تعامل العقل العربي مع القضايا بتضاؤل ملحوظ للتحليل العقلاني، لتحل محله مواقف تدغدغ المشاعر وتستدر صيحات الإعجاب.

فالمزاج الجماهيري لا يحتمل ترف التحليل، وهو ما تعبر عنه بصدق القصة الساخرة الشهيرة عن طبيب يستدعى لمريض ميئوس من شفائه فيعتبر نطقه بالتشخيص سببا في قتل المريض! وعليه، فإن أطباء التحليل السياسي العربي يفر كل منهم «فراره من الأسد»، من ورطة أن يكون هو من يعلن الحقيقة. ومزاج الجماهير مزاج مواجهة وحشد لا يعرف المواءمة، وبالتالي، فإن كل حديث عن حلول وسط يعد خيانة وعمالة و..!

وعندما يصبح الخطاب السياسي مقيدا بالزعيم، ومكمما بالجماهير، فليس أمامه مساحة ليقول شيئا مفيدا أو جديدا. وعندئذ تصبح كل بضاعته إعادة إنتاج خطاب القائد ترديدا وتأكيدا. وإذا عاد إلى الماضي، كانت عودته انتقائية، تختار ما يخدم القناعة المحددة مسبقا، وكأننا أمام عملية علاج نفسي تتعامل مع الوجدان وخيالاته، لا مع العقل والمنطق وحقائقه.

ومن يمسكون دفة توجيه الجماهير يستطيعون في هذا المناخ خنق الرأي المخالف، وهو مشهد يشبه المشهد السوفييتي قبل غورباتشوف، حيث خنقت دعوات المراجعة، لكن الجماهير هنا حلت محل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وأجهزة الأمن السياسي، فأصبحت الجماهير عبئا على من حشدوها، وأصبح المثقف «غرسونا» (نادلا) يقدم لسيده ما يريده، بعد أن كان رائدا يستدل به الناس. والويل لأمة تقودها الجماهير.

وفي النهاية: فإن سيطرة هذا الخليط من الأفكار على العقل العربي هو نبع الموجات المتلاحقة من «أعراس الدم»، فإذا لم نضع نهاية لهذه الأعراس.. وإذا لم ننجح في فض الاشتباك الموهوم بين الوطنية والديمقراطية، فسوف يكون الغرق مصيرنا جميعا: حكاما ومحكومين.. مثقفين وجماهير، والعلاج الوحيد هو «الديمقراطية»، حتى لو أقسم البعض بأغلظ الأيمان على أنه «مر»!.

كاتب مصري