هناك نكتة روسية تعود إلى العهد السيئ القديم إبان فترة حكم ليونيد برجينيف والحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي السابق تفيد أن أحد العمال في شركة حكومية التقى عاملا آخر وقال له بحدة: «لم أرك في آخر اجتماع للحزب!» فما كان من العامل الآخر إلا أن هز كتفيه مستهجنا السؤال، قائلا: «لو كنت أعلم أنه آخر اجتماع للحزب لكنت حضرته».
ربما ينطبق مثل هذا القول على خطاب حالة الاتحاد الأخير الذي ألقاه الرئيس جورج بوش مؤخرا. لقد استقبل الحضور بوش استقبال القادة الأبطال الفاتحين، معبرين عن ابتهاجهم تجاه أسلوب التخويف والوعيد الذي يمارسه وتجاه مطالبه الجسورة بأن يمنحه الكونغرس كل ما يريده أو ستكون هناك عواقب وخيمة، كما أفادت تعبيرات وجهه التي غلبت عليها علامات التحدي.
وخلف بوش كان يجلس نائب الرئيس ديك تشيني ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. في هذه المرحلة الحاسمة من الصعوبة بمكان تحديد أي من الاثنين أضر أميركا أكثر من الآخر. تشيني قد يتفوق في هذا الصدد بحكم الأقدمية،
حيث إنه قضى 7 سنوات بالتمام والكمال في منصبه. غير أنه لا يمكن إغفال المعارضة اللينة والجبن وعدم الكفاءة التي تعاملت بها بيلوسي مع البيت الأبيض وفشلها في ترك بصمة طوال 13 شهرا قضتها في رئاسة المجلس.
إن أميركا تنزلق بشكل لا هوادة فيه داخل هوة من ركود سببه الرئيسي سياسات بوش وحاشيته الذين لم يتسببوا في إطلاق كلاب الحرب وما أحدثته من خسائر باهظة للبلاد فحسب، وإنما أطلقوا العنان لكلاب الشركات يعيثون في الأرض الفساد وينهبوا ثروات البلاد. فالمشكلات المالية التي تواجهها أميركا حاليا هي نتاج ما قام به هؤلاء من انتهاكات.
ففي الوقت الذي يعاني فيه اقتصاد البلاد، تراهم يراكمون الأرباح بما يقدمونه من قروض عقارية لأناس لا يستطيعون سداد أقساط الرهان العقاري لديهم ثم يستخدمون تلك القروض السيئة في تسميم النظام المصرفي العالمي.
ولكن لا داعي للخوف على الرغم من كل ذلك. فالرئيس وحاشيته في كابيتول هيل سينقذوننا عن طريق خصم ضريبي يصل إلى 600 دولار يتمتع به كل فرد أميركي حتى هؤلاء الذين لا يدفعون أي ضرائب على الدخل ثم سيشجعوننا على الذهاب إلى مراكز التسوق كي تستعيد البلاد عافيتها الاقتصادية.
ثم كي يبرهن على أن أعماله الخيرية لا حدود لها، طلب الرئيس أيضا من الكونغرس مواصلة الخصم الضريبي الذي يتمتع به الجمهوريون في المناصب العليا على امتداد السنوات الخمس الماضية، وهو الخصم الذي قد ينتهي بعد فترة لسوء حظ هؤلاء!
لقد كان الرئيس كريما للغاية في خطابه حيث لم يذكر شيئا عن الدين المحلي للبلاد والذي يصل الآن إلى 9 تريليونات دولار، تسببت سياساته في الجزء الأكبر منها، ما يعني أن هذا الدين قد يكون أكبر إرث سيتركه لنا بعد رحيله إضافة إلى حربي العراق وأفغانستان.
كما أطلق سلسلة أخرى من التهديدات لتمرير ذلك القانون المعلق الخاص بمد فترة القانون الذي يخول للحكومة الحق في مراقبة كل الاتصالات الالكترونية في الولايات المتحدة الأميركية بحثا عن أي أنشطة مشتبه فيها.
يبدو أن الكونغرس مستعد لأن يجردنا من حقوقنا الدستورية ولكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يمنح حصانة كاملة لشركات الاتصالات اللاسلكية التي منحت لمتلصصي الحكومة ميزة غير شرعية بالتنصت على اتصالات الشعب قبل وبعد الحادي عشر من سبتمبر.
لقد قال الرئيس إنه في حال ألا تكون هناك حصانة للشركات الكبرى فإنه سيستخدم حق الفيتو ضد أي توسيع للقانون، ومن ثم لن نلوم- على حد تعبيره- إلا أنفسنا وستقع اللائمة على الديمقراطيين عندما يهاجم تنظيم القاعدة واشنطن مرة أخرى أو ربما يهاجمون مول أميركا أو مطار لوس أنجلوس.
يبدو أن غالبية الأميركيين لا يولون إلا قليلا من الاهتمام بالكوارث التي تنتظر البلاد أو على الأقل لا يهتمون في مرحلة واحدة بأكثر من كارثة واحدة تستعد للانطلاق، حيث إنهم مستغرقون في الاهتمام بأشياء أخرى وبالأخبار القادمة من هوليوود. بعد نحو 11 شهراسيمضي الرئيس الأميركي الثالث والأربعين ليضيء تكساس وتظهر على جبينه ابتسامة مصطنعة طوال الطريق.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»