في الشق الخارجي من خطابه الوداعي، رسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوحة شاحبة ـ حتى لا نقول قاتمة، لمستقبل العلاقات الدولية وأوضاعها، عموماً؛ والعلاقات الروسية مع الغرب، خصوصاً. وبالتحديد مع الولايات المتحدة الأميركية. كلامه الذي تميّز بالصراحة، أعاد إلى الأذهان الكثير من ذكريات الحرب الباردة وخطابها وحضور توتراتها.

فهو إذ قدّم عرضاً، من وجهة نظر موسكو، للمشهد الراهن واحتمالاته اللاحقة المقلقة، في هذا المجال؛ فإنه أرسل، في الوقت ذاته، تحذيرات ضمنية، من خطر عودة التوتر إلى ما يشبه سابق عهده؛ بين موسكو وواشنطن، مع كل ما يتوالد ويتناسل عنه من تأزيم وتهديد للاستقرار في العالم.

كلام يسلّط الأضواء على ما قد ينزلق إليه الوضع الدولي؛ في المدى المنظور؛ نظراً لما لطبيعة العلاقات بين العاصمتين، من تأثير على مجمل العلاقات الدولية؛ كما على الأمن والسلم في العالم. كان هذا الواقع قائماً أيام العملاقين.

وهو الآن كذلك، إلى حدّ بعيد. على الأقل بحكم القدرات النووية الهائلة، لدى الطرفين. بالإضافة إلى أن روسيا عادت بحضور محسوس إلى الساحة الدولية، إجمالاً؛ في السنوات الأخيرة. في أعنف هجوم له، منذ توليه منصب الرئاسة قبل ثماني سنوات، اتهم بوتين الغرب،

باعتماد سياسة التمدد والتوسع العسكري، باتجاه حدود بلاده؛ في محاولة لعزلها والتضييق عليها؛ وبالتالي حرمانها من المجالات الحيوية لأمنها القومي ومصالحها الإقليمية المشروعة. وكان وصول حلف الناتو، بعد انضمام أوروبا الشرقية إلى عضويته، إلى تخوم روسيا؛ قد أثار هواجس روسيا بوتين واعتراضاتها.

ثمّ جاء قرار إدارة الرئيس بوش، بنشر منظومة دفاع صاروخي، في وسط أوروبا وعلى مقربة من الحدود الروسية؛ ليرفع من منسوب هذه الهواجس ويخرجها إلى العلن؛ على شكل تحذيرات وعرض عضلات؛ لا تخطئها العين. الأمر الذي دفع بالعلاقات إلى مدار بارد، راحت درجة حرارته تأخذ منحى هبوطياً متسارعاً.

والآن، قبل ثلاثة أشهر من نهاية ولايته ومغادرته لمنصب الرئاسة؛ وفي خطاب شامل أمام مجلس الدولة، يقول الرئيس بوتين ان عملية سباق تسلّح جديد قد بدأت؛ وان روسيا «مضطرة لأن ترد» عليها بإنتاج أسلحة متطورة؛ بل ربما متقدمة ومتفوقة.

كما هاجم بوتين ما سمّاه بسياسة التوسع «باسم الحرية والانفتاح»؛ في إشارة واضحة إلى حرب العراق. وفي غمز واضح من هذه الزاوية، أشار إلى ما وصفه بأنه «قتال على الموارد الطبيعية تفوح رائحته من سياسات خارجية» معروفة.

ما لا شكّ فيه أن الرئيس بوتين قد طرح برنامج عمل روسي لسنوات. حليفه ميدفيديف، الذي اختاره لخلافته؛ فوزه في انتخابات مارس المقبل، مضمون. رصيد بوتين وشعبيته الكاسحة، كفيلان بذلك. ثم ان بوتين نفسه باق في السلطة، من خلال منصب رئاسة الوزارة؛ التي يبدو أنها معقودة اللواء له.

معنى ذلك أن موسكو لم ترسم فقط حدود الخلافات والتضارب، في علاقاتها مع الغرب؛ وبالذات مع أميركا؛ بل هي أيضاً أعلنت قبولها التحدّي؛ على قاعدة أنها لا تقبل تجاهل مصالحها القومية وحضورها على الساحة الدولية. وفي ضوء الإصرار المتبادل يبدو وكأن هناك عوداً على بدء. وفي ذلك رسالة برسم الوضع الدولي؛ وبالتحديد منطقة الشرق الأوسط، تقتضي قراءتها بعناية واهتمام.