هلل العالم أجمع عندما انهار جدار برلين في عام 1989، وهذا حق لشعوب الأرض وللشعب الألماني أولاً.

ففي عالم اليوم الذي شهد إزالة الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي، وشهد الفضاءات المفتوحة، لا مجال للستار الحديدي هنا أو هناك، ولا مكان للتقوقع والتشرذم وراء حدود من الأسلاك الشائكة وأجهزة الإنذار الإلكترونية، وإقامة الأسوار والجدران. ‏

العالم الذي هلل لتدمير جدار برلين قبل نحو عشرين عاماً، صمت إزاء إقامة جدار فصل عنصري في الضفة الغربية يفصل الأب عن ابنه، وصاحب الأرض عن مزرعته قبل أن يفصل بين العرب والصهاينة. ‏

الأدهى والأمر، أن المهللين ـ أو بعضهم على الأقل ـ باركوا إقامة الجدار، ودافعوا عن هذه الخطوة بشراسة وهاهم يباركون إقامة جدار جديد بين قطاع غزة ومصر. ‏

هل صار المحلَّل والمشروع لشعوب الأرض محرماً وممنوعاً على العرب؟ وهل سياسة الجدران التي تحكم المنطقة دون سواها أضحت السمة الرئيسية للدول الكبرى المتحكمة بالعالم والساعية إلى تخريبه؟ ‏

وهل الجدران هي فقط تلك الأسوار العالية التي تشيّد هنا وهناك تحت ذرائع وتبريرات واهية؟ أم إن الجدران الأكثر خطراً وتدميراً هي تلك الموجودة في العقول والسياسات والمواقف بهدف فصل شعوب الأرض عن بعضهم بعضاً وفرزهم بين أخيار وأشرار؟ ‏

من الواضح أن من يرسم هذه السياسات يستند إلى «ثقافة» الانعزال والعنصرية، ونصوص تلمودية ـ توراتية تلغي الآخر بالمطلق، وتعتبر الشعوب مخلوقات من الدرجات الدنيا أوجدها الخالق عز وجل لخدمة شعب الله المختار حصراً، وهذه الشعوب قد تدرج في جداول وحقول جنباً إلى جنب مع الحشرات والأفاعي والحيوانات، كما أفتى أحد حاخامات إسرائيل. ‏

ومن يرسم هذه السياسات أو يتبناها لا يعيش حتماً في هذا العصر، وإن امتلك أحدث التقنيات وأكثرها تطوراً، وإن تباهى بأنه «يجاهد» دفاعاً عن حقوق الإنسان وحماية البشرية من الإرهاب والتطرف. ‏

الجدران ترفع داخل عقول هذه الحفنة التي تعمل على تكريس صراع الحضارات بدلاً من تعزيز ثقافة حوار الحضارات وتلاقحها وتكاملها لما يخدم الإنسانية جمعاء. ‏

الأمر لا يقتصر على إقامة جدار في الضفة الغربية، وآخر في قطاع غزة ومصر، وثالث داخل عاصمة الرشيد بغداد فحسب، الجدران ترفع في العراق بين طوائف وأعراق بقرار من الكونغرس مهد له عدوان واحتلال واستعمار. ‏

الجدران ترفع اليوم على الساحة اللبنانية لمنع تلاقي اللبنانيين الممنوعين من الحوار إلا إذا كان بجواز سفر أميركي وبلغة عبرية ووفق أسس محددة يجب ألا تخرج عن الإرادة الأميركية والأطماع الصهيونية. ‏

والجدران ترفع بين الدول العربية: تقسيماً وتمزيقاً وتباعداً في المواقف والسياسات والأولويات لإبقاء الحال على ما هو عليه مرحلياً، ولتعميق الشروخ والجراح مستقبلاً، بما يحوّل الوطن العربي إلى عشرات الدويلات ـ ربما ـ ليصبح لدينا أصوات أكثر في الأمم المتحدة، ولكن من دون صوت أو موقف أو وجود أو كلمة حق واحدة. ‏

ليس مانقوله مجرد تحليل أو تفسير لما يجري وما جرى، فالمقدمات التي عرفتها منطقتنا منذ قرن على الأقل وحتى اليوم، والتي تفاعلت بشكل خطير جداً منذ اكثر من عقد، هذه المقدمات كان لابد لها أن تؤدي الى النتائج الكارثية التي يعيشها العرب من العراق الى السودان مروراً بلبنان والاراضي الفلسطينية المحتلة لتبلغ ذروتها لاحقاً على امتداد الخارطة العربية، ولتتمدد اسرائيل وفق اسطورتها التوراتية، بل الى أبعد ما تحكي هذه الاسطورة ولتصبح المنطقة العربية رقعة أرض واسعة يعيش أهلها وأصحابها غرباء منبوذين فيها. ‏

للأسف الشديد: العرب يمرون في واحدة من أخطر مراحلهم عبر التاريخ، وربما أخطرها على الاطلاق ، ومع ذلك فهم إما ينامون في العسل غير مبالين وإما يغطون في سبات عميق غير مدركين خطورة ما يحيق بهم، وإما ـ وهو الأخطر ـ يسهمون فيما رسم لهم ولشعوبهم على أمل الحفاظ على مكاسبهم الشخصية! ‏

المشهد السياسي ـ الجغرافي العربي أكثر من سيئ، ليس هذا من بنات أفكارنا إنما هو الواقع، ومع ذلك، فان الفرصة لم تفت بعد، وهناك بوابات أمل لا تزال مفتوحة امام العرب تنتظر من يلجها، ولعل القمة العربية القادمة في دمشق ستكون احدى هذه البوابات المشرعة على مستقبل أفضل، إذا توافرت الإرادة والرغبة، وإذا تخلى بعض العرب عن أنانيتهم ونفضوا عن أنفسهم غبار الكسل والتكاسل، وإذا تخلصوا من الخوف والرعب من غضب السيد الأميركي، وأدركوا أنهم يملكون كل مقومات النجاح في المشروع العربي لمواجهة المشروعات المعادية. ‏

نرجو أن يفعل العرب الصواب أخيراً، لأن الشعوب قد تصمت طويلاً، لكنها لن تسكت أبداً، ولأن هذه الشعوب، كالتاريخ، لا ترحم كل مقصر ومتهاون ومفرِّط بالحقوق والكرامة.