أصبح غلاء الأسعار حديث الجميع ليس من الآن فحسب بل منذ شهور مضت خاصة بعدما امتدت موجة الغلاء وضربت معظم دول العالم، وأصبح الغلاء أشبه ما يكون بظاهرة الاحتباس الحراري التي لم تسلم منها بقعة في العالم، لكن مع امتداد هذه الموجة فإن دولا كثيرة لم تكتف بدور المتفرج على هذا الغلاء الذي أصبح يعصف بالمستهلكين ويستنفد كل طاقاتهم المادية والنفسية والاجتماعية.
فدول عمدت إلى دعم بعض السلع، وبعضها الآخر زاد الرواتب، وبعضها الآخر فعّل أدوار الجمعيات التعاونية، في حين خفضت دول أخرى أسعار الفائدة، وفكت ارتباط عملاتها بعملات أخرى، وما إلى ذلك من خطوات استطاعت من خلالها التخفيف عن المستهلكين.
ولو نظرنا إلى واقع الحال في دولة الإمارات لوجدنا أن الدولة حرصت على دعم الحياة الاقتصادية ومحدودي الدخل من خلال زيادة الرواتب على المستوى الاتحادي والمحلي، لكن التجار والموردين اعتبروا هذه الزيادة فرصة لرفع الأسعار وبالنسب التي يرونها مناسبة خاصة بعد أن أصبحوا مدركين تمام الإدراك مدى تعاون اللجنة العليا لحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد معهم.
اللجنة العليا لحماية المستهلك في اجتماعها الأخير لم توافق على طلب شركات الدواجن بزيادة أسعار البيض بنسبة بين 15 ـ 20% وأسعار الدجاج بنسبة بين 25 ـ 37% واكتفت بألا تتجاوز نسبة الزيادة في أسعار البيض 10 % وأسعار لحوم الدجاج الطازج 12%، وقد رأينا في هذا القرار ظلما للمستهلك وانتصارا للموردين.
كيف لا، واللجنة ناقضت نفسها بنفسها في هذا القرار، ففي دراسة أعدتها اللجنة حول أسعار منتجات الدواجن بدولة الإمارات، اعتبرت الدراسة أن شركات الدواجن لديها المرونة في تخفيض جزء من تكاليفها من خلال العديد من البدائل لتحقيق الأرباح وليس فقط من خلال ارتفاع الأسعار.
بالإضافة إلى أن لدى هذه الشركات دراية بمجريات الأمور في الأسواق ولديها قوة سوقية كبيرة في نشاط إنتاج الدواجن. الأمر الذي يجعلنا نستغرب موافقة اللجنة على زيادة الأسعار رغم وجود البدائل التي تغني عن هذه الزيادة، وعلى الرغم من القوة السوقية الكبيرة في إنتاج الدواجن.
أضف إلى ذلك أنها لم تحدد نسبة بعينها للزيادة بل وضعت سقفا لا ينبغي تجاوزه وهو 10 و12 في المئة، ما يعني أن الموردين سيعتمدون الحد الأقصى مباشرة كنسبة للزيادة، وهو الأمر الذي يصب في صالحهم وينعكس سلبا على المستهلكين. فهل يعقل هذا؟ وهل يبقى في نطاق المقبول؟
ندرك دور اللجنة الذي لا يكمن في تسعير السلع لأن ذلك يتناقض مع نهج الاقتصاد الحر الذي تتبناه دولة الإمارات، لكننا في الوقت نفسه لا نريد أن تجعل اللجنة «الاقتصاد الحر» شماعتها في مثل هذه القرارات لاسيما وان الاقتصاد الحر مبدأ تطبقه دول أخرى لكنها لا تنتصر فيه ضد المستهلكين، بل توجِد حلولا تعين المستهلكين على مواجهة الغلاء.
إذا كانت اللجنة مازالت مصرة على قبض العصا من النصف بحيث لا تغضب التجار والموردين وتخفف العناء عن المستهلكين، فلتسمح لنا اللجنة ووزارة الاقتصاد بأن نقول لهما إن قبضهما للعصا اليوم يميل بوضوح لكفة التجار والموردين الذين كسبت رضاهم مقابل ثقة المستهلكين التي خسرتها والذين لا يمكن أن نلومهم طالما أنهم الخاسرون دائما في هذا الغلاء.
إن موجة الغلاء التي تضرب العالم ظاهرة، والتحدي الأكبر لهذه الظاهرة يكمن في وضع آليات تواجه هذا الغلاء، فهل تعجز الإمارات اليوم عن ذلك؟ وهل تترك التجار والموردين يسرقون فرحة الزيادة بالرواتب تلك التي لم يمض على قبضها سوى أيام معدودات؟ هذا ما سنكمل الحديث عنه غدا بإذن الله.
