في عددها لشهري يناير وفبراير 2008، طلبت مجلة «فورن بوليسي» الأميركية التي تصدرها مؤسسة «كارنيغي» من 12 خبيرا وشخصية عالمية أن يكتبوا عما يتعين على الولايات المتحدة أو بالأصح الرئيس الأميركي المقبل أن يفعله لتحسين أو إنقاذ علاقة أميركا بالعالم.

لقد ساهم في هذا الملف خبراء اقتصاديون ومفكرون ومثقفون ورجل دين واحد يحظى بالاحترام هو ديزموند توتو، ومن بين 12 مقالا أو نصيحة تتراوح من النفط إلى الإصغاء لزعماء العالم والاهتمام بالمرأة والحوار مع سوريا وإيران ورفع الحصار عن كوبا ومواصلة الضغط من اجل الإصلاحات في الشرق الأوسط، لم يكن حل الصراع العربي الإسرائيلي من بين هذه النصائح.

وبقدر ما يبدو غياب القضية الفلسطينية مؤلما وباعثا على التأسي، فان اللوم لا يقع على عاتق هؤلاء الكتاب بل يتجاوز ذلك للتنبيه إلى المدى البالغ من الضعف والأذية التي لحقت بأكثر القضايا عدالة في التاريخ المعاصر. لحظة فراغي من قراءة الملف بأكمله لم أجد من عبارة يستدعيها ذهني في تلك اللحظة سوى تلك التي ترددت منذ سنوات «أكثر القضايا عدالة وأسوأ المحامين أداء.

بإمكاني أن أضع من التحفظات الكثير حيال هذه العبارة التي كانت تتردد في ذروات النضال الفلسطيني على مدى العقود الماضية، لكن لحظة الضعف الفلسطينية التاريخية وغير المسبوقة في تاريخ النضال الفلسطيني بأكمله لا يمكن الإشاحة عنها مهما كانت تحفظاتنا على تلك المقولة أو على العمى الأخلاقي الذي ظل العالم يعامل فيها القضية الفلسطينية.

في وقت ما، كان العالم قادرا وبكل عزم أن يصوت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على نقل الجلسة من نيويورك إلى مقر الأمم المتحدة في جنيف خصيصا للاستماع إلى خطاب ياسر عرفات الذي كان وقتذاك رئيسا لدولة في المنفى.

لقد حدث هذا في ثمانينات القرن الماضي عندما رفضت الولايات المتحدة منح عرفات تأشيرة دخول للولايات المتحدة لكي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة. هل يملك العالم العزيمة نفسها الآن حيال الزعماء الفلسطينيين أيا كانوا، الرئيس ابومازن أم خصومه في حركة حماس؟

من السهل ان نلقي باللائمة على الآخرين أيا كانوا، وبإمكاننا أن نقدح في الانحياز الأميركي لإسرائيل ليل نهار، وبإمكاننا أن نلوم الأوروبيين على تراجع اهتمامهم وذيليتهم للولايات المتحدة، كل هذا سهل لكن هل هو الجواب الحقيقي؟ هل يقدم هذا التفسير المنطقي والمقنع لتراجع الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية؟

لقد تراجع الاهتمام حتى في أوساط العرب، وليست الأنظمة والحكومات هي الملامة هذه المرة بل حتى الأوساط الشعبية والنخب السياسية العربية أيضا. علينا أن نلتفت صوب مسؤوليتنا الذاتية في تراجع الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية،

فنحن اليوم أمام مفارقة تاريخية كبرى: في الوقت الذي بلغت فيه القضية مفصلا تاريخيا تراجع الاهتمام العربي بها والدعم العربي للفلسطينيين إلى أدنى درجاته. وفيما خص العالم، يتعين التوقف أمام اللحظة التي يعيشها الفلسطينيون اليوم، وهي لحظة لم أتردد مرارا في توصيفها بأنها لحظة ضعف تاريخية غير مسبوقة.

في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، كانت القضية الفلسطينية في أوجها ليس لأنها كانت موضة رائجة، بل لأن الفلسطينيين استطاعوا فرضها على أجندة العالم بجدارة.

ففي تلك السنوات العصيبة كانت دول أوروبية مثل ايطاليا واليونان وغيرها تقيم مشروعات اقتصادية في الأراضي المحتلة، وتستورد المنتجات الزراعية الفلسطينية التي كانت تسوقها منظمة التحرير الفلسطينية.

وفيما كان عرفات يطوف العالم، كان المثقفون والفنانون الفلسطينيون ينشطون في أوروبا والولايات المتحدة في فعاليات لا تتوقف من المعارض والأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية وغيرها.

كان النضال ذا مفهوم شامل: سياسي واقتصادي وثقافي، أي تلك الصيغة التي تجسد فعلا صراع شعب بأكمله ضد الاحتلال والاقتلاع. وكان الصراع السياسي قائما والعمليات العسكرية قائمة ومستمرة سواء في حقبة السبعينات أو منذ الانعطافة الكبرى بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

فالاجتياح وخروج المقاومة من بيروت كان رغم كل المساوئ خدمة كبرى قدمتها إسرائيل للفلسطينيين عندما جعلتهم ينقلون ثقل النضال الفلسطيني بأكمله من الخارج إلى الداخل، فلم تمض سنوات على ذلك الاجتياح إلا كانت الانتفاضة تتفجر في أواخر عام 1987.

ظل النضال بمفهومه الشامل قائما ومستمرا بل انه اكتسب زخما جديدا لان ثمار الانتفاضة كانت واضحة للغاية: إسرائيل محشورة في الزاوية وظهرت الحقيقة أمام العالم كله: إسرائيل دولة محتلة والفلسطينيون يقاتلون من اجل التحرر من الاحتلال.

ما الذي جرى؟ قام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بأكبر خطأ تاريخي لم يدفع ثمنه العراق والعراقيون فحسب، بل الفلسطينيون أيضا عندما غزا الكويت. منذ تلك اللحظة والفلسطينيون في تراجع.

وعندما تم توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، كانت تلك خطوة من وجهة نظر عرفات ضرورية لوقف التراجع أمام ميزان قوى بدأ يميل بقوة لصالح إسرائيل والولايات المتحدة. لكن أوسلو ليس خطيئة فلسطينية من وجهة النظر التاريخية المحض، بل انه خطأ تاريخي آخر ارتكبته إسرائيل بعد خطأ إخراج المقاومة من لبنان

وخطأ الاستمرار في احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان. فاستمرار الاحتلال لم يفعل من الوجهة التاريخية سوى إعطاء الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية مثلما أن إخراج المقاومة من لبنان مكن الفلسطينيين من نقل ثقل الصراع إلى الداخل بدلا من المنافي.

الدليل على أن أوسلو مثل للإسرائيليين كابوسا هو أن كل الحكومات التي جاءت بعد اغتيال اسجق رابين لم يكن لها من هم سوى تدمير أوسلو والتنصل من التزاماته عبر خلق واقع جديد يتيح لإسرائيل ذلك وصولا إلى اجتياح جنين وحصار الراحل عرفات لأعوام في المقاطعة وقتله مسمما.

لكن هذا كله تمت قراءته مقلوبا وبطريقة متهافتة تسعى لإدانة التفاوض ضمن الصراعات الداخلية الفلسطينية ولم يقرأ على انه مسعى من إسرائيل للتخلص من تبعات أوسلو التي كانت تقتضي تشجيع الاحتراب الأهلي الفلسطيني بكل الصور الممكنة.

المؤسف أن الإسرائيليين نجحوا في ذلك، وتوالى الضعف الفلسطيني في صور أكثر ترديا وانقلبت مفاهيم النضال الفلسطيني أمام العالم لان الفلسطينيين أو جزء منهم لم يعد قادرا على إعطاء النضال من اجل الحقوق المشروعة بعدا ومفهوما يبتعد عن المفهوم الرائج للإرهاب.

هنا بالضبط تراجع التفوق الأخلاقي لنضال شعب ضد الاحتلال لان خطأ غير محسوب تم ارتكابه: مجاراة المحتل. الخلاصة، لا العالم ولا العرب أيضا يمكن أن يساندوا شعبا تحكمه قيادات منقسمة ومحتربة وجربت أطوارا من الاحتراب الأهلي.

لقد كان الاحتراب الأهلي الفلسطيني اكبر خطيئة ارتكبتها طلائع الشعب الفلسطيني. وإذا كان من خطوة ضرورية فليست سوى التحلي بإحساس عال من المسؤولية وممارسة نقد ذاتي أمين ومسؤول بدلا من الصراع المهلك على السيطرة والمناصب.

كاتب بحريني