يعلق الخبير الفرنسي في أسواق المال (ميشال جاريبال) على فقدان مصرف (لا سوسياتي جنرال) الفرنسي مبلغ خمسة مليارات يورو في لحظات خلال الأسبوع الماضي بسبب عمليات قام بها المضارب الشاب (جيروم كيرفيال) على مواقع البورصات العالمية.

فيقول: «انها الهزة المالية الأكثر عنفا في الزلزال السياسي العالمي». وليس لهذه العملية سوى سابقة نكبة بنك (بارنغس) أعرق البنوك البريطانية سنة 1995 والذي (وداه في داهية) «توأم» المضارب الفرنسي في ذلك العهد السيد ( ليسن).

وبالفعل فإن الهزة مالية لكن الزلزال سياسي بالدرجة الأولى وترجع أسبابه الدفينة إلى النظام النقدي الدولي الذي يسير اقتصاد العالم ويحرك العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الكونية الثانية عام 1945 والمعروف باسم (بريتن وودس). هذه الهزة التي تأثرت بها الأسواق الخليجية العربية بشكل يجمع بين الواقع والخوف السيكولوجي وربما الوهمي من العدوى والخسارة

وهو ما أشار اليه رئيس تحرير صحيفة الشرق القطرية في افتتاحية بعنوان (أوقفوا إطلاق النار) ناصحا المستثمرين الخليجيين بعدم الانجراف وراء الوهم وتحطيم بيوتهم المالية بأيديهم تحت تأثير الرعب التلقائي من هبوب عواصف بعيدة.

الذي حدث في أسبوع هنا في باريس يعتبر تاريخيا وغير مسبوق بكل المقاييس بل ينذر بحلول مرحلة جديدة من مراحل التحولات السياسية العنيفة في العلاقات الدولية على أساس المضاربات المالية وليس على أساس الاختلافات الأيديولوجية.

فالشاب المضارب لم يتجاوز عمره الثلاثين ويعمل في مصرف (لا سوسياتي جنرال) منذ خمسة أعوام فقط وتعود على التعامل مع المؤشرات البورصية العالمية مثل (يوروتوكس50) و( الكاك40) و(الداكس) بفرنكفورت و(الفوستي) بلندن وتعود كذلك أن يجلب لمصرفه أرباحا ويتقاضى عنها عمولات شرعية معروفة.

لكنه هذه المرة تمكن من اتقان عملية تمويه بايجاد أسعار وهمية لعديد من الأسهم وتحريك المضاربين المنافسين له في أنحاء كثيرة من العالم وأسواقه المالية نحو ما يسمى «المقايضة» فسقط عدد كبير منهم في الفخ الذي نصبه لهم زميلهم الفرنسي وقايضوه بالمزايدات وباعوه واشتروا منه

وكسب بنكه في المدى القصير لكن بعض هؤلاء وبكل شرعية نصبوا هم أيضا فخاخا للمضارب المغامر ووضعوا له الطعم في السنارة بنفس الآلية الجهنمية فازدادت شراهته وتضاعف نهمه لتحقيق الأرباح الخيالية

فإذا به ينجرف إلى دوامة صنعها هو بيديه ويغرق في العمليات المدبرة للإيقاع به بنفس الطريقة التي أوقع بها زملاءه من قبل ويدفع بالمليارات الخمسة من اليوروات إلى كهف المعاملات السحيق الذي ابتلعها كالتنين وإلى الأبد.

وجاءت الدهشة العامة في فرنسا وأوروبا والعالم أمام هذا الخطب الجلل الذي ضرب أقوى المصارف الفرنسية ووضعه اليوم على قائمة المؤسسات المطموع فيها والقابلة للشراء والهضم في زمن «الكواسر البورصية» التي تنتظر سقوط الضحية لتهبط على جثتها الهامدة. وبدأ الخبراء يتساءلون: أين كوابح الرقابة البنكية؟

وأين ضوابط لجنة المتابعة والتقصي التابعة للدولة الفرنسية؟ وأين جهاز الإنذار المصرفي المبكر الذي نصبه المصرف المركزي الأوروبي في فرنكفورت؟ ثم أين وزراء المالية والاقتصاد؟

و أخيرا أين ميزان التعديل العالمي في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؟ كل هذه العقبات تعداها المضارب الشاب بسهولة وكل هذه الإشارات الحمراء تجاوزها بيسر!

ربما يقال اليوم انها مخاطر الأسواق المالية الجديدة وانها علامات التحول العميق في طبيعة التجارة الدولية وانها نتائج حتمية لدخول عنصر المضاربات الالكترونية عن طريق الكمبيوتر الذي بقدر ما يسهل المعاملات بقدر ما يوفر أسباب التمويه الافتراضي!

وربما يعلل بعض المحللين مثل (ألكسندر أدلر) على صحيفة (لوفيجارو يوم السبت 2 فبراير) ما وقع بظهور هذا النوع الجديد من المضاربين الشبان الذين يجمعون بين الخبرة بأسواق المال والتضلع في معالجة المعلومات المالية والتحلي بروح المغامرة.

alqadidi@hotmail.com