لم تؤد سياسة الحصار الإسرائيلي والدولي وقطع الماء والكهرباء والغذاء والدواء عن قطاع غزة إلا لمزيد من المآسي الإنسانية التي زادت من مشاعر الإحساس بالظلم لدى أبناء القطاع، ولم تؤد سياسة القتل والتوغل اليومي للجيش الإسرائيلي إلا إلى مزيد من الضحايا الفلسطينيين ومزيد من الصواريخ الفلسطينية على جنوب إسرائيل.

ولم يؤد الانقسام الفلسطيني إلا إلى رفع وتيرة المعاناة لدى أبناء الشعب الفلسطيني وفقدان الأمل في إيجاد حل وشيك لأزمتهم ومعاناتهم. ولم يكن الانفجار الذي أطاح بأسوار رفح وفتح ثغرات مع الحدود المصرية مجرد شحنة متفجرات حطمت بعض الأمتار في تلك الحدود، لكنه كان انفجارا رمزيا لبركان الغضب الذي يغلي في صدور الفلسطينيين الناجم عن وضعهم المأساوي الذي يعيشونه دون بارقة أمل في الأفق.

وما تقوم به إسرائيل من توغلات عسكرية مستمرة واضطهاد وحشي وقتل يومي وإعادة لتضييق الحصار لن يكون إلا سلسلة أخرى في الحلقة المفرغة، ولن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف المضاد، ومزيد من الصواريخ، ومزيد من مشاعر الإحباط التي تأتي بعمليات أخرى على غرار عملية ديمونة الأخيرة.

ولن يفيد إسرائيل الالتفات إلى حدودها مع مصر ومحاولة إيجاد حل لتسرب المسلحين الفلسطينيين من سيناء، لأن الفلسطينيين لا يحتاجون لمزيد من الدعم البشري عبر سيناء أو غيرها من المنافذ الحدودية، فغزة وحدها تحوي أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يمتلك كل منهم ما يكفي من الأسباب ليرتدي حزاما ناسفا ويفجر نفسه في أقرب نقطة عسكرية إسرائيلية.

ولا يحتاج المقاومون الفلسطينيون للسلاح من الخارج أيضا، فصواريخ القسام التي تقض مضاجع المستوطنين الصهاينة، رغم بدائيتها، تصنع داخل غزة، ولم تنفع كل محاولات إسرائيل في القضاء على أماكن تصنيعها والتخلص منها ومن مهندسيها. أما السلاح الفردي فلدى الفلسطينيين ما يكفي منه لإزعاج آلة العدوان الإسرائيلي الجبارة، وهم يحصلون عليه من مصادر متعددة لعل الباحثين عن الثراء السريع في مخازن السلاح الإسرائيلي يشكلون أحد أبرزها.

أما الجدار الإسرائيلي العازل داخل الأراضي المحتلة فلا يؤدي مجرد وظيفة أمنية، بل يهدف إلى رسم حدود جغرافية تكرس واقعا يفرض على الفلسطينيين بالدرجة الأولى، لذلك فإن التفكير بمده جنوبا باتجاه الحدود مع مصر لن تكون له أي آثار أمنية ذات مغزى على المدى الطويل.

وبما أن البحر لن يبتلع غزة كما تمنى إسحاق رابين في يوم من الأيام، فليس أمام إسرائيل إلا البحث عن حل حقيقي بعيدا عن كل ما ثبت فشله حتى الآن، وليس أمام الفلسطينيين إلا توحيد كلمتهم والوقوف صفا واحدا أمام عدوهم المشترك الذي لن يمنحهم شيئا إلا صاغرا، ولن تنفع الشعارات الكبيرة ولا التحالف مع العدو في جلب الأمن والاستقرار وتحرير الأرض وإقامة الدولة المستقلة.

وعندما يقرر الفلسطينيون التخلي عن خلافاتهم بنية صادقة، سيجدون حتما كل الدعم والتأييد من إخوتهم العرب لمساعدتهم على الوصول إلى تفاهم يرضي الجميع، وعندها فقط ربما تضطر إسرائيل إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات وإعادة الحقوق لأصحابها بعد أن تفقد الأمل في توسيع رقعة الفتنة بين الإخوة، وتفهم أن أمنها لن يتحقق على حساب أمن الآخرين بل بالتوافق معه.