عقب لقاء السداسي في برلين أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف ان نتائج هذا الاجتماع مرضية، وان روسيا نجحت في إقناع شركائها بأن تستهدف أي إجراءات تتخذ ضد إيران دعم وتسهيل مهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وليس معاقبة طهران فقط، وحرص الوزير الروسي على التأكيد على ان مشروع القرار الجديد بشأن إيران الذي ستقدمه الدول الست إلى مجلس الأمن للمصادقة عليه ينص على اتخاذ إجراءات إضافية للتأثير على إيران تتضمن دعوة إلى جميع الدول لتوخي الحرص عندما تقوم بتطوير العلاقات مع إيران حتى لا يكون هناك أي إخلال بنظام منع الانتشار النووي، لكنها ليست إجراءات عقابية قاسية.
ويمكن القول ان الموقف الروسي على مدار الفترة الأخيرة قد تأرجح بين الضغط على إيران أو الحياد في التعامل مع تطورات الأزمة، مع إصرار موسكو على رفض استخدام القوة ضد طهران، وتشديد العقوبات المفروضة. وعقب زيارة بوتين إلى إيران، والتي تمت برغم معارضة وزارة الخارجية الروسية للقيام بها، أعلن الرئيس الإيراني حرص بلاده على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. واستأنفت موسكو تعاونها مع إيران على مستوى تشييد المحطة، بل قامت بتوريد 82 طنا من الوقود النووي اللازم لتشغيل محطة بوشهر، مما يعكس اتخاذ الكرملين لقرار واضح يقضي بمواصلة التعاون والتنسيق مع إيران.
وبالرغم من تصريحات العديد من المسؤولين في الإدارة الأميركية التي أكدوا فيها أن واشنطن لا تسمح بأن تمتلك إيران أسلحة نووية، ولكنها لن تقوم بتوجيه ضربة عسكرية لها، إلا أن التحذيرات التي وجهها بوش إلى الإيرانيين في خطابه كانت حادة وقاسية، وعكست نبرة الحرب.
وكشف نائب وزير الخارجية الروسي سيرجى كيسلياك أن مشروع قرار مجلس الأمن الجديد يتضمن اشارات جادة إلى إيران تدعوها للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتجاوب مع مطالبها، ما يعنى زيادة وتشديد العقوبات التي أقرت سابقا ضد إيران، بعبارة أخرى قررت روسيا الاستجابة للمشروع الغربي الضاغط على إيران لإيقاف عمليات تخصيب اليورانيوم. ويبدو أن هذا الموقف بديل عن قيام بعض الأطراف الغربية بتوجيه ضربة عسكرية إلى طهران. وإن كان في نفس الوقت يحقق مصلحة روسية في ربط سوق الطاقة النووية الإيراني بروسيا.
ولا تعني استجابة موسكو لمشروع الغرب بتشديد العقوبات ضد إيران، انها ستوقف تعاونها مع حكومة طهران، فقد قامت الشركات الروسية بتوريد الوقود النووي اللازم لتشغيل محطة بوشهر ونفذت التزاماتها وفق العقود الموقعة بين الجانبين، وتجري محادثات بين البلدين على توقيع عقد ستقوم موسكو بموجبه بتوريد الوقود النووي لتشغيل محطة بوشهر الكهروذرية لمدة عشر سنوات.
وتواصل موسكو تعاونها العسكري مع طهران، ولم يعد خافيا على المتابعين للشأن الإيراني أن توريد منظومات الدفاع الصاروخية الروسية من طراز (اس ـ 300) مسألة وقت لا أكثر، بعد أن تم الاتفاق بين موسكو وطهران على تأجيل توريد المنظومة إلى توقيت مناسب.
ويخطئ من يعتقد أن الموقف الروسي تجاه إيران غامض وغير واضح، موسكو مازالت تحرص على مواصلة تعاونها مع طهران، خاصة أن هذا التعاون يحقق منفعة للجانبين، ولا يسبب أضرارا لأي طرف ثالث. إلا أن ما يبدو من توجهات الحكومة الإيرانية يثير قلق الكرملين، حيث بدأت تطفو على السطح العديد من القضايا التي تضر بالمصالح الروسية، أبرزها:
مازال ملف تقسيم ثروات حوض بحر قزوين معلقا بسبب إصرار إيران على أن يمكنه التقسيم من الحصول على أكبر حصة من ثروات البحر، وبالرغم من اتفاق بقية الأطراف على تقسيم الثروات وفق القوانين الدولية، التي تمنح كل دولة حصة على أساس قطاعها المائي المطل على بحر قزوين. مساعي إيران لإنتاج صواريخ نووية لابد وأن يثير قلق القيادة الروسية، التي لن تشعر بالأمان في ظل وجود صواريخ استراتيجية بالقرب من حدودها الجنوبية.
تحركات إيران الأخيرة والتي تمثلت في المشاركة في إنشاء خط أنابيب نقل الغز «نابوكو» الذي يمر من بحر قزوين إلى النمسا والموجه ضد الاتفاق الثلاثي بين روسيا وكازاخستان وتركمانستان لنقل الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى وبحر قزوين عبر الأراضي الروسية إلى أوروبا، إضافة إلى مساعيها لإقناع الأوروبيين باعتماد الغاز الإيراني كمصدر للطاقة عبر هذا الخط الذي لا يمر بالأراضي الروسية.
بعبارة أخرى في الوقت الذي تحاول موسكو تخفيف الضغط الغربي على إيران، تدخل إيران إلى سوق الطاقة الأوروبي كبديل منافس للغاز الروسي، وتدعم سياسة الغرب الساعية للاعتماد على مصادر الطاقة البديلة وطرق نقل الطاقة التي تمر خارج روسيا.
لا بد أن تثير السياسة الإيرانية تساؤلات جادة حول ماهية التحالف بين البلدين، وهل هو تحالف وحيد الطرف، تحقق إيران منه كل مصالحها، بينما لا تحصل روسيا منه على مكاسب؟
ولعلنا نذكر عندما حاولت روسيا إيجاد تسوية لمسألة تخصيب اليورانيوم، وتقدمت باقتراح إلى طهران بإنشاء مركز دولي لتخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية وبإشراف وكالة الطاقة النووية الروسية، ولم ترفض إيران المقترح الروسي ومازالت تدرسه منذ عدة أعوام، إلا أنها تقدمت بمقترح إلى الفرنسيين بإنشاء هذا المركز بالتعاون بين باريس وطهران.
السياسة الإيرانية تجاه روسيا بدأت في بعض جوانبها تثير تساؤلات الأوساط السياسية الروسية حول مدى جدية الحليف الإيراني في احترام المصالح الروسية والتعاطي معها؟
ولا تأخذ طهران بعين الاعتبار أهمية تحالفها مع موسكو، ليس فقط على مستوى التسليح والتعاون في مجال الطاقة النووية، وإنما أيضاً على صعيد مواجهة المشروع الأميركي الخاص بإنشاء تحالف عسكري في منطقة بحر قزوين، الهادف لاقتحام منطقة حوض بحر قزوين تحت عنوان حماية مصدر الطاقة من مخاطر الإرهاب الدولي. وتتمسك روسيا بأن تتكون القوات العسكرية المشتركة من قوات الدول الخمس المطلة على بحر قزوين ـ أذربيجان وإيران وكازاخستان وروسيا وتركمانيا ـ لتكون مهمتها منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
إلا أن عدم تجاوب إيران مع روسيا في المحاور الأساسية لملف بحر قزوين، بل إحراجها خلال تصدي موسكو للدفاع عن مصالح إيران في زوبعة الملف النووي الإيراني، والالتفاف على مصالحها في سوق الطاقة الأوروبي، يسبب آثارا سلبية على التعاون بين البلدين لحماية حوض قزوين من التدخلات الأجنبية.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا