المفاوض الفلسطيني لم يستطع حتى الآن التفاوض لأن إسرائيل ما زالت تخرج من سلتها عراقيل متتالية، خاصة في مجال الاستيطان والمقاوم الفلسطيني لم يستطع المقاومة لأن المقاومة من غزة المحاصرة هي نوع من المستحيل في غياب توازن القوى.

فالإسرائيليون فرحوا قبل فترة بإحصاءاتهم التي أشارت إلى مقتل ألف فلسطيني أغلبهم في غزة من بينهم 800 من المسلحين، وهم خلال ثلاثة أيام بعد مجزرة حي الزيتون قتلوا ما لا يقل عن 38 فلسطينياً في غزة. إضافة إلى مقاومين في الضفة.

وهذا العدد الكبير من الخسائر الفلسطينية يفسر كيف ان الاحتلال في هجوم مستمر وأن المقاومة لا تملك حتى وسائل الدفاع. ففي نهاية العام الماضي أعلن الإسرائيليون انهم خسروا 13 قتيلاً خلال عام 2007 وهي أقل خسارة منذ عقود، لكن الخسائر الفلسطينية كانت الأكبر منذ اندلاع الانتفاضة.

وكانت حركة حماس حاولت جاهدة خلال الشهور القليلة الماضية وضع حد للقصف الصاروخي ضد البلدات الإسرائيلية المحيطة بغزة، لكن حركة الجهاد الإسلامي امتنعت عن وقف إطلاق الصواريخ رغم حدوث اشتباكات واحتكاكات بين الحركتين ورغم تعقب قوات حماس لخلايا الجهاد التي كانت تحاول إطلاق صواريخ وهو ما كان يحدث قبل سنتين أو أقل عندما كانت قوات الأمن الفلسطينية تلاحق خلايا حماس لمنعها من إطلاق صواريخ على إسرائيل.

حماس نشطت في الفترة الأخيرة لاقناع الفصائل الأخرى بوقف الصواريخ واستخدم قادة من حماس عبارات كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يستخدمها لتبرير دعوته بوقف إطلاق الصواريخ مثل المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.

وقد نأت حماس بنفسها عن مواجهة التوغلات الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة وتركت ذلك لحركة الجهاد وألوية الناصر صلاح الدين، لكن التوغل الإسرائيلي الأخير في حي الزيتون وتمكن القذائف الإسرائيلية من إصابة مجموعة من حركة حماس ما أدى إلى استشهاد 12 منهم أقحم حماس في عملية إطلاق الصواريخ .

حيث شاركت لأول مرة منذ أربعة أشهر في قصف سديروت وعسقلان والمستوطنات المحيطة بينما كانت تكتفي قبل ذلك بقصف المواقع العسكرية المحاذية لغزة أو استخدام المورتر والهاون فقط. الآن يبدو ان حركة حماس ومقراتها صارت في عين الاعصار وباتت هدفاً للقصف الجوي والبري الإسرائيلي، وهذه المعركة تخوضها حماس مرغمة لأنها كانت حتى وقت قريب تطمح في التوصل إلى تهدئة مع إسرائيل تتلخص في وقف الاعتداءات الإسرائيلية مقابل وقف إطلاق الصواريخ لأن وضعها على الأرض في غزة لم يعد ملائماً لمواجهة اسرائيل في ظل غياب الدعم الشعبي وفي ظل الحصار والعزلة.

وقد حاول الاسرائيليون تضخيم قوة حماس العسكرية تحدثوا عن انها هربت أسلحة متطورة مضادة للدبابات ووسائل قتالية أخرى وصواريخ غراد ذات مدى أبعد من الكاتيوشا لكن هذه الأسلحة لم تظهر لا عند قصف عسقلان ولا عند مواجهة الدبابات.

فالاسرائيليون يخشون من حصول حماس على الأسلحة التي بحوزة حزب الله خاصة المضادة للدروع والتي أوقعت أكبر مجزرة دبابات في الجيش الإسرائيلي. حسابات حماس مؤخراً أنصبت على الجانب السياسي لفك العزلة ومحاولة اطلاق حوار مع السلطة الفلسطينية، لأن حساباتها العسكرية محدودة ولأن الأميركيين والإسرائيليين بدأوا عملياً في ممارسة ضغوط أقوى على مصر بشأن تهريب السلاح عبر الحدود ولأن واشنطن تعهدت بإمداد مصر بأجهزة لكشف الانفاق وغيرها في محاولة للحد من تنامي قدرات حماس القتالية. وهذا يعني عملياً ان امتلاك القوة أو ما يسمى توازن الرعب بعيد المنال.

ولذلك أعيد طرح فكرة الهدنة مع إسرائيل والدولة المؤقتة وهذه الفكرة لا تتعارض أساساً مع مشروع شارون الذي تبناه أولمرت وهو إقامة دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة. وما زال الإسرائيليون يحاولون طرحه عبر خارطة الطريق لكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض هذا البند في خارطة الطريق مذ كان رئيساً للوزراء في عهد ياسر عرفات واقنع الأميركيين بوجوب القفز عنها والدخول في مفاوضات الوضع النهائي ولكن الإسرائيليين ما زالوا يطرحون فكرة الدولة المؤقتة.

بالنسبة لحماس فإنها ما زالت تأمل في إمكانية الحوار مع السلطة لكن السلطة ليست في وارد ذلك حالياً لأن مفهوم الحوار لدى الطرفين مختلف فالسلطة مستعدة كما قال أبو مازن للحوار اذا تراجعت حماس عن انقلابها وأعادت للسلطة كل ما احتلته وصادرته واحترمت السلطة وتعهداتها واتفاقياتها.

وهذا يعني عملياً بالنسبة لحماس الخروج من الانقلاب بخفي حنين، لأن حماس تريد حوار الند للند مع السلطة وتحقيق مكاسب على الأرض وتقاسم كل شيء بما في ذلك السلطة في الضفة الغربية. وهذا أمر لا يمكن أن يقبل به أبو مازن. فالمؤثرات الخارجية بالنسبة للرئيس الفلسطيني لا تمنعه كما قال من الحوار مع حماس وهو يفاخر بأنه وقع اتفاق مكة المكرمة مع حماس ضد الرغبة الأميركية ولكنه رغم ذلك وقع الاتفاق وشكل حكومة وحدة التي جرى تحت ظلالها الانقلاب.

المشهد الفلسطيني الآن يبدو مأساوياً، فلا السلطة قادرة على دفع المفاوضات إلى حيث تريد وهي تصطدم يومياً إما بعدوان إسرائيلي على غزة أو اغتيال في الضفة أو ببناء وحدات استيطانية جديدة ثم هناك الأزمة الداخلية الإسرائيلية سواء من الأحزاب التي ترفض التفاوض حول قضايا الوضع النهائي مثل حزب إسرائيل بيتنا الذي انسحب من الحكومة أو حزب شاس المرشح للانسحاب لاحقاً.

أو بسبب تقرير لجنة فينوغراد حول الفشل في حرب لبنان والذي سيحمل ايهود اولمرت مسؤولية كبيرة في الفشل وقد يطيح به ويخلق أزمة جديدة توقف المفاوضات عملياً، ولكنها لا توقف الاعتداءات ولا الاستيطان. فالمفاوض الفلسطيني في الضفة الغربية غير قادر على التفاوض والمقاوم في غزة غير قادر على المقاومة.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ــ فلسطين

hafezo@yahoo.co