لم يعد أمام النظام الإقليمي العربي طريق للخروج من المأزق الراهن سوى البحث عن أطر فكرية غير تقليدية للتحرك، تجعله يتجاوز الإخفاقات التي وصمته طيلة تاريخه، ويطرق أبواب النجاعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليلبي استحقاقات جماهيرية طال انتظارها. وهنا تتبدى حزمة من التصورات، من الضروري أن تدخل النخب الفكرية والسياسية العربية في نقاش حاد حولها، لأنها تمثل، في جوهرها، القاسم المشترك، أو الوسيط، للرؤى المتداولة حاليا بشأن إصلاح حال العرب، بعد فجيعة احتلال العراق، والانقسام الذي جرى في الصف الفلسطيني، وإخفاق اللبنانيين ـ حتى الآن ـ في الخروج من المأزق، ناهيك عن احتلال الصومال وتوعك السودان.
وأولى خطوات الإصلاح هي انتقال العرب من التفكير في الوحدة على المدى القريب إلى العمل الخلاق من أجل التنسيق البناء. ولا يعني هذا إسقاط فكرة الوحدة تماما، باعتبارها غاية لجماهير عربية غفيرة، لكن التعامل معها على أنها معادلة صفرية، إما أن تكون أو لا شيء آخر من أشكال التعاون، هو الخطأ بعينه الذي وقع فيه العرب عقودا طويلة. فهناك خطوات تمهيدية يجب قطعها في الطريق إلى هذه الغاية، يشكل تراكمها نجاحا متواصلا حتى وإن لم ينته بالتوحد، أو الانصهار الكامل، فهذا أمر يبقى دوما في طور «المثال»، ولا يجب رهن كل أشكال التفاعل العربية بتحقيقه من عدمه، أو الوقوع في فخ التعامل معه على أنه «حتمية تاريخية».
والخطوة الثانية هي انتقال العرب من الاكتفاء بخطاب سياسي مساند أو متعاطف مع بعضهم البعض إلى إيجاد حال من التآزر بالمصالح. فقد درجت الأنظمة الرسمية في أوقات عصيبة مرت بها إحدى الدول العربية أو بعضها على الاكتفاء بالمؤازرة الكلامية، دون أي فعل ملموس على الأرض يساند من ألمت به كارثة أو وقع في أزمة سياسية أو تعرض لعدوان. وللخروج من هذه الحالة من الضروري أن تكون هناك مصالح حقيقية بين الدول العربية، تبدأ بالاقتصادي، لتنتهي عند الاستراتيجي، مرورا بالسياسي والأمني. فمثل هذه المصالح تجعل الغرم والغنم موزعين على الجميع، أو يمسان الكافة، فيكون هناك تحرك جماعي لدفع الضرر وجلب المنفعة.
والخطوة الثالثة هي ترك الفردية المفرطة والانتقال إلى روح المجموع. فالسنوات التي خلت سيطرت فيها أنانية مفرطة، إن لم تكن انتهازية بيّنة، في السياسات الخارجية للعديد من الأقطار العربية، بل وصل الأمر إلى أن بعض هذه السياسات تعارض مع بعضها الآخر، بما جسد صراعا عربيا ـ عربيا غير مباشر، ناهيك عن الصراعات المباشرة. ودون تلمس روح الفريق في السياسات الخارجية لكل قطر عربي على حدة، ستستمر هذه الحالة من التشرذم، التي تعود، في خاتمة المطاف، بالخسارة على النظام الإقليمي العربي برمته.
أما الخطوة الرابعة فتتمثل في التحول من تنافر القمم إلى انسجام القاعدة، فالوصول إلى الروح الجماعية هذه يتطلب فتح الأبواب على مصاريعها أمام القاعدة (الجماهير)، لتشارك في صنع السياسات العربية البينية، أو السياسات العربية تجاه الآخر، بعد احتكار القمم «الأنظمة الرسمية» اتخاذ القرارات، وهو ما قاد إلى البؤس السياسي الراهن. وبالطبع فإن هذا لن يتحقق سوى بإصلاح ديمقراطي حقيقي، يعطي الشعوب العربية، التي كان أداؤها في السنوات الأخيرة أكثر انسجاما من أداء الحكومات، فرصا كبيرة لبناء حركة جماعية حيال القضايا الداخلية والخارجية.
والخامسة هي وضع حد للعبة البحث من مصلحة الأنظمة، والعمل الجاد للبحث عن صالح الشعوب. والحفاظ على درجة الانسجام بين توجهات الشعب العربي، مهما كان انتماؤه القطري، يتطلب أن ينتقل الفعل السياسي من توخي مصلحة الأنظمة، التي تأتي الاستمرارية في مقدمة أولوياتها، إلى ابتغاء صالح الجماهير الغفيرة، وهي المسألة التي أدى تغييبها المتعمد إلى حالة التكلس السياسي التي يعيشها النظام العربي في الوقت الراهن.
أما السادسة فتتجسد في إيجاد بديل للمعادلة السياسية التقليدية التي تقوم على وجود قلب عربي وأطراف، من خلال إيجاد مراكز عربية عدة متعاونة. وقد برز هذا التصور عقب فجيعة العراق، وكانت له مقدمات تجلت في أخذ بلدان عربية، أكبر ديمغرافيا وأقدر سياسيا على قيادة النظام الإقليمي العربي، عبر تبني مواقف محددة، تستطيع هذه البلدان أن تقنع بقية الدول العربية بها.
وهناك شروط موضوعية راهنة ترجح هذا التوجه، منها التعثر النسبي الذي ينتاب العمل من خلال جامعة الدول العربية. وقد ظل النظام العربي يعمل لسنوات طويلة على أساس الدول القائدة ومساعديها ثم الأطراف التابعة، لكن التغيرات التي طرأت على بنية هذا النظام من حيث ركائز القوة التي اكتسبتها بعض وحداته، أوجد عدة مراكز ليس بينها تطابق في القوة والتاريخ، لكنها متقاربة نسبيا من حيث القدرة على التحرك في الخارج، وممارسة نفوذ، بدرجات معينة، على الداخل العربي. ومن ثم يفيد كثيرا قيام تنسيق مستمر وذي بال بين هذه المراكز.
والخطوة السابعة تتجلى في الانتقال من القابلية إلى الفعلية، حيث اعتاد العرب على سياسة رد الفعل أو «القابلية»، وقد آن لهم أن ينخرطوا في صناعة السياسة الدولية بما يشكل حائط صد لأي سياسات تسعى إلى النيل من مصالحهم القومية.
أما الثامنة فتتمثل في التحول سريعا من التكتيك الأعمى إلى الاستراتيجية المبصرة، فالاكتفاء بقرارات متفرقة لا يجمعها ناظم، ولا تنبع من تصور أو مرجعية أساسية، من أجل علاج مشاكل طارئة والتعامل مع مواقف متتابعة زمنيا، قد فكك أوصال السياسات العربية، وأصابها بالتضارب في كثير من الأحوال. ولتفادي هذا الخطأ لا بد أن يكون هناك تصور استراتيجي، ينبني على مواقف مبدئية، ويرمي إلى غايات عامة، تشارك كافة وحدات النظام العربي في رسم ملامحها الجوهرية، من خلال الاتصال الرسمي والتفاعل بين النخب غير الرسمية، من مفكرين وقوى مجتمع مدني عربي.
والتاسعة تتجلى في هجران الواقعية الكسيحة والتحلي بالخيال الكاسح، فإذا كانت الواقعية السياسية مطلوبة لاتخاذ إجراءات عملية، فإن الخيال السياسي الخلاق واجب لدفع هذا الواقع إلى الأمام، مهما كانت مرارته. ويعاب على النخب السياسية العربية أنها تفتقد كثيرا الجرأة في التعامل مع المواقف، وتفتقر إلى إبداع طرق جديدة أو مبتكرة في معالجة المشكلات الراهنة. ويعود هذا بالأساس إلى تقديم الاستمرارية، مهما بلغت درجة تردي الأحوال، على ما عداها من قيم سياسية، يجب أن تتبناها الأنظمة السياسية في أي زمان ومكان وتعمل وفقها دوما.
وفي كل الأحوال ـ وهذه هي الخطوة العاشرة ـ علينا أن نقف فوق ظهر اليوم ونمد أعناقنا بقوة إلى المستقبل. وبناء هذا التوجه يقوم على عدم الاقتصار في التصور والتحرك على معطيات اليوم، بل يجب الأخذ في الاعتبار ما يحمله المستقبل من مخاطر ومكاسب عديدة، بعضها يأتي بغتة، وكثير منها يبدو متوقعا قياسا على خبرة التاريخ من جهة، وقراءة متعمقة لاحتمالات المستقبل من جهة ثانية.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة