المشهد المؤسف والصادم لمشاعر المصريين والفلسطينيين، بل والعرب والمسلمين، على جانبي معبر رفح من اشتباك بين بعض الأشقاء الفلسطينيين المحاصرين من دول العالم «المتحضر»، وبين بعض رجال الأمن من الأشقاء المصريين الذين من المفروض أنهم يمثلون السند العربي الوحيد الذي يمكنهم الاتقاء به، والمناصر العربي الأكيد لقضاياهم الذي يمكنهم الاحتماء به، وإلقاء الحجارة التي لا يجب أن توجه إلا لجنود الاحتلال الصهيوني وليس لرجال الأمن المصريين..

وإطلاق القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي لدفع المحاصرين والمرضى والجوعى الفلسطينيين بعيداً عن «معبر صلاح الدين»، والتي لا يجب تصويبها ولا إطلاقها ولو في الهواء إلا لصدور الأعداء وليس الأشقاء، وسقوط قتيل فلسطيني وجرحى بالعشرات من الجانبين.. هو آخر ما كان يمكن تصور حدوثه أو قبوله بين فلسطيني ومصري، أو بين شقيق عربي.. أي شقيق.. وشقيق!

وهو حدث مهم بدا عارضاً ومحدوداً يجب تجاوزه وعدم تكراره، ومهما كان من أعذار الحصار أو السيادة لهذا الطرف أو ذاك، أو لا قدرة على اللوم فيه لهذا الطرف أو ذاك، يبقى مؤشراً خطيراً إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية من تداع بفعل التباين الفلسطيني والتباين العربي في استراتيجية إدارة الصراع مع العدو المشترك، والخلل الذي أصابها بفعل الاتفاقيات السلامية المكبلة لأطرافها العربية والمنتقصة لسيادتهم في مواجهة العدو، والمشددة على سيادتهم في مواجهة الشقيق!

وهو الحدث الذي ما كان له أن يحدث لولا تراجع الصراع في المنطقة من صراع عربي صهيوني إلى صراع فلسطيني صهيوني، ومن صراع فلسطيني صهيوني إلى صراع فلسطيني فلسطيني، ثم ما حدث أخيراً من اشتباك فلسطيني عربي!!

والمحتلون الأعداء في واشنطن وتل أبيب وبعض تابعيهم بغير إحسان من الذين يلقون اللوم على مصر لأنها سمحت للفلسطينيين بالعبور إلى أراضيها، وقدمت ما هو إنساني على ما هو سياسي، وما هو أخوي على ما هو سيادي، وما هو ضروري على ما هو محظور ويرون أن هذا انتهاكاً لالتزامات قانونية مصرية مع إسرائيل بضمان أميركي في اتفاقات دولية، يتجاهلون مرة أخرى أن المحتلين هم الذين ينتهكون قواعد القانون الدولي بارتكاب جرم الاحتلال وعدم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ولا يريدون السلام، وهم الذين يهددون سيادة وأمن مصر وسائر الأوطان العربية.

بل إنهم يتجاهلون أنهم كسلطة احتلال يقعون في أكثر من جريمة حرب طبقاً للقانون الدولي الإنساني، بالعقاب الجماعي وبالحصار الإنساني الذي يصل إلى حد الإبادة الجماعية المتعمدة بصورة لا يمكن أن تنتمي إلا إلى النازية والهمجية وليس إلى أي معنى إنساني، وهم الذين لا ينبغي فقط اتهامهم بالانتهاك والاكتفاء بإدانتهم بالكلمات والإحالة إلى مجلس الأمن الأميركي، بل ينبغي ملاحقتهم قضائياً لمحاكمتهم على جرائمهم أمام المحاكم الدولية، وكسر الحصار على الشعب الفلسطيني، لأسباب إنسانية بإرادة جماعية عربية وإسلامية وشعبية عالمية.

وحينما أعلن الرئيس المصري حسنى مبارك «أن مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين» لم يكن يعبر فقط عن إرادة جموع الشعب المصري التي تعلن إلى اليوم وستعلن في كل يوم بكل صور التعبير عن الرأي تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وتطالب ليس فقط برفع الحصار الصهيو ـ أميركي الإجرامي، بل وضرورة دعم المقاومة الوطنية والعربية والإسلامية لإنهاء الاحتلال أبي الجرائم الدولية وأعلى مراحل الإرهاب الدولي، بل أيضاً فإن هذا انطلاق من التزام مصري بحقوق الإنسان.. أي إنسان.. يفرضه عليها التزام قانوني دولي إنساني أكبر من أي التزام قانوني ثنائي، وقبل أن يكون التزاماً أخوياً عربياً.

لكن يبقى على أدعياء الديمقراطية في تل أبيب وواشنطن الذين يعاقبون الشعب الفلسطيني لخياره الديمقراطي بانتخاب حركة حماس، وأدعياء حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي نواب الاحتلال الصهيوني في ارتكاب جرائم الحرب بالعقاب الجماعي وحصار الشعب الفلسطيني.. يبقى عليهم هم أولاً احترام حقوق الإنسان التي يفرضها عليهم، كدول قانون، القانون الإنساني الدولي، وألا يفقدوا بازدواج المعايير والعنصرية أي منطق وكل مصداقية.

mamdoh77t@hotmail.com