التقى جورج حبش بزميله وديع حداد في الجامعة الأميركية في بيروت، وبدآ معاً في تكوين مجموعات للحوار والنقاش الوطني، واستطاعا الانضمام إلى جمعية العروة الوثقى التي كانت قد تكونت عام 1948، واشترك جورج حبش وزميله هاني الهندي في إدارة تحرير مجلة العروة الناطقة باسم الجمعية.

ومع مرور الوقت، وتحديداً في العام 1952 وجد جورج حبش وأنصاره ضرورة التحرك لجني ثمار حركتهم السياسية، فأطلقوا على حركتهم اسم : حركة القوميين العرب باعتبارهم يمثلون كل فصائل العرب القومية وليس طبقة أو فئة بعينها. وتم إرساء وتكوين الشكل التنظيمي لها، وذلك بعد انعقاد أول مؤتمر قومي لهم في عمان عام 1956، حيث أصبح للحركة مؤتمر عام ولجنة منبثقة عنه تتولى الإشراف على شؤون الحركة.

وفي الجانب الفكري، فقد تطور فكر الحركة تحت إدارة جورج حبش تطوراً ملحوظاً منذ أوائل الخمسينات، وامتلكت منهجاً متميزاً في تناول الفكرة القومية.

وكانت القضية الفلسطينية محوراً رئيسياً في الفكر القومي للحركة، وبأن الوحدة ضرورة لاغنى عنها في الإعداد لمعركة تحرير فلسطين. وعليه رأى جورج حبش أن هزيمة 1948 لم تكن صدفة، وأن السبب هو الفساد والتمزق اللذان أصابا الأحوال القومية، وانعكسا في التجزئة على مستوى الوطن العربي كله، ساهما في تكريس الهزيمة في فلسطين.

وانطلاقاً من التحليل المشار إليه كانت الحركة تتجه شيئاً فشيئاً نحو تطوير رؤاها الفكرية والسياسية. وفي هذا السياق كانت حركة القوميين العرب أول حزب قومي عربي يعترف بعد هزيمة 1967 بأن برنامجه السياسي قد هزم، حيث عمل من مخاض حركة القوميين العرب على التأسيس لانطلاقة الجناح العسكري الفلسطيني منذ العام 1963.

فأعلن الدكتور جورج حبش بعد حين من نضوج الفكرة ونمو أزهارها، عن قيام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في 7 /12/ 1967، عبر بيانها التأسيسي الموجه للشعب الفلسطيني والأمة العربية، والداعي «لإعلان الكفاح المسلح والاستمرار فيه بالرغم من كل الصعاب»، والى اعتماد «لغة العنف الثوري ضد الاحتلال»، مركزاً على أهمية العمل في الداخل الفلسطيني، وعلى تكريس شعار «نموت ولا نهاجر»، ومؤكداً على ضرورة مصارحة الجماهير، فطرحت الجبهة الشعبية بقيادته شعار «كل الحقيقة للجماهير».

كتب التقرير السياسي والفكري للمؤتمر الوطني العام الثاني للجبهة الشعبية من داخل سجن (كراكون الشيخ حسن) بدمشق، خلال مدة اعتقاله من قبل مخابرات العقيد عبد الكريم الجندي، إلا أنه تم تحريره بعملية مدروسة نفذتها مجموعة من الجبهة الشعبية بقيادة رفيق دربه الشهيد الدكتور وديع حداد نهاية العام 1969.

جورج حبش، الرجل الوحدوي المسيس صاحب مقولة (كل البنادق نحو العدو)، وصاحب مقولة (وحدة وحدة حتى النصر) تمسك بالبعد القومي للصراع مع الصهيونية مع تحوله إلى الماركسية مازجاً بين الخاص والعام، ارتبط بعلاقة خاصة ذات طابع قومي حميمي مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، خطيب مفوه، يمتلك حضورا وكاريزما عالية بين الناس، منظر سياسي وأيديولوجي، قادر على جذب الاهتمام وتحشيد الناس، وعرف عنه وحدويته، ونزاهته العالية، ونقاؤه الوطني، ورفضه المساومات إلى حد التطرف وفقدان السياسة.

كما في قامته الكبيرة التي ابتعد من خلالها عن صغائر ومكائد الآخرين، ففاز في ميدان السبق نحو الشارع والناس، وانغرس في الوعي الشعبي الفلسطيني، فاكتسب لقب (ضمير وحكيم الثورة)، فسما بشعبه وسمت به الجبهة الشعبية.

رحل جورج حبش كجوهر نادر، لا قرابة أقرب منه بين إنسان وإنسان، رحل كبيراً في ذاكرة شعبه، وذاكرة المناضلين الفلسطينيين الذين عايشوه في الساحة الفلسطينية منذ الانطلاقة المعاصرة للثورة مروراً بكل مراحلها المعقدة. فوداعاً جورج حبش، وداعاً لقلب امتلأ صخباً، وضجيجاً، وحراكاً، وفعلاً، وهماً، وعملاً، من أجل فلسطين.

كاتب فلسطيني ـ دمشق