وسط هدير من التصفيق والصراخ والهتاف الغوغائي على خلفية مناخ مهرجاني، نرى هيلاري كلينتون تتصارع مع باراك أوباما، وجون ماكين مع ميت رومني في حمئة التسابق بين الحزب «الديمقراطي» والحزب «الجمهوري».

هذه هي الصورة الخارجية للسباق الانتخابي الجاري حالياً في الولايات المتحدة. وهي صورة خالية تقريباً من القضايا المصيرية الأميركية الداخلية منها والخارجية.

هذا السباق مرحلة تمهيدية يتنافس فيها المتنافسون من كلا الحزبين للترشح للمرحلة اللاحقة عندما ينتهي السباق التمهيدي بكل منهما إلى اختيار مرشح واحد لخوض معركة انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة، لكن صورة التنافس المحموم التي نراها الآن وسنراها أيضاً في المرحلة اللاحقة والنهائية ليست الصورة الحقيقية. فالصورة الحقيقية لا ترى بالعين المجردة.

المتنافسون في تنافسهم أشبه ب«أراجوزات» يجري تحريكها من الخلفية بواسطة القوى الحقيقية الخفية التي تتحكم في العملية الانتخابية وتقرر نتيجتها عند نهاية المطاف، ولأنها تقبع وراء الكواليس فإننا لا نراها بصورة مباشرة، هذه القوى الخفية هي مجموعة الشركات العظمى التي تنفرد بالسيطرة في كافة القطاعات الرئيسية للاقتصاد الوطني الأميركي.

وبالتالي هي التي تقرر من خلال نفوذها التمويلي ليس فقط من يفوز ومن يخسر في العملية الانتخابية (على مستوى الانتخابات الرئاسية كما على الانتخابات النيابية لمجلسي الكونجرس) بل تقرر ابتداء من يسمح له أصلا بدخول حلبة المنافسة، لهذا فإن معركة التنافس الانتخابي تخلو تقريبا من طروحات وقضايا مفتاحية وبرامج قوية ليس لأنه لا توجد مثل هذه الطروحات والقضايا وإنما لأنها محسومة مسبقا بواسطة قوى رأس المال في الخلفية، أجل هناك مسائل وقضايا يطرحها المتنافسون من خلال السباق الجاري حاليا.. لكن إما أنها قضايا ثانوية متهافتة أو قضايا مصيرية تطرح من منظور سطحي.

في مقدمة القضايا المطروحة الحرب في العراق وحالة الاقتصاد، وفي المسألة العراقية يتصارع المتنافسون حول ما إذا كان الأفضل سحب القوات الأميركية أم إبقاءها، وفيما يتعلق بالاقتصاد ينحصر التصارع في تخفيضات أو زيادات ضريبية.

في القضية الأولى يحجم المتنافسون تماما عن التطرق إلى المسألة الجذرية تحت عنوان عسكرة السياسة الخارجية الأميركية التي تفضي إلى اشتعال حروب غير مبررة تسيء إلى القوة العظمى من ناحية وتجعل العالم مكانا أشد خطرا، وعسكرة السياسية الخارجية هي في الحقيقة إفراز طبيعي لعسكرة الاقتصاد الأميركي، ولكن هل يجرؤ أي منافس على القول علنا بأن الإنفاق العسكري الأسطوري على الحروب الخارجية هو العلة الجذرية لانهيار الاقتصاد الأميركي ودخوله مرحلة ركود شامل؟

وهل يستطيع أي من المنافسين أن يتحدث عن «التجمع الصناعي العسكري» الذي يعكس تحالفا بين أباطرة الصناعة العسكرية وجنرالات وزارة الدفاع لإشعال حروب خارجية مفتعلة من أجل مضاعفة تعاقدات بمئات المليارات من الدولارات لصفقات أسلحة تباع للوزارة بأسعار مضخمة عمدا وتعاقدات أخرى للشركات الأمنية الأميركية العاملة في العراق وما يتبع كل ذلك من وقائع احتيال ورشا وفساد؟ السباق الانتخابي الأميركي عملية مزيفة تجري وفقا لسيناريو مرسوم سلفا.