مع عودة الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، إلى بيروت؛ تكون المبادرة العربية، لحلّ الأزمة اللبنانية أمام فرصتها الثانية والأخيرة. نجاحها رهن بمدى تجاوب الأطراف اللبنانية معها. فهم المعنيون أولاً وأخيراً بها؛ من دون إغفال الاعتبارات الأخرى، المتداخلة بالوضع اللبناني. الإخفاق في تعويمها لا يضع ،فقط، نهاية لها؛ بل أيضاً يعيد الأمور إلى نقطة الصفر؛ مع كل ما يختزنه ذلك من ارتفاع لبارومتر الاحتقان وتجذير لحالة الفراغ ومخاطرها.

المقرر أن يجتمع البرلمان اللبناني بعد ثلاثة أيام ـ 11 /2 ـ لانتخاب رئيس جديد؛ وذلك بعد ثلاثة عشر تأجيلاً. ومن دون التوافق بشأن المبادرة، يصبح التأجيل للمرة 14، أمرا مفروغا منه. وهي دوّامة ما عاد الوضع اللبناني بقادر على احتمال استمرار الدوران في حلقتها. أحداث ما عرف بالأحد الأسود، الأخيرة؛ تنطق بذلك. بل هي كانت بمثابة الإنذار الشديد اللهجة، بأن ماعون الأزمة قد طفح كيله؛ وأن الإسراع في العبور إلى ضفة الحل، بات ضرورة مصيرية. التجربة،بل التجارب، السابقة لا تشجع. عصي كثيرة وضعت في دواليب المبادرات والمحاولات والمساعي، التي جرت؛ بحثاً عن مخرج للأزمة.

كلها تعثرت وانهارت. ومنها زيارة الأمين العام؛ الأخيرة؛ لتسويق المبادرة العربية. اليوم هو يأتي لتجديد مسعاه؛ بتكليف من وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم أواخر يناير الفائت. وحتى وصوله كان المشهد اللبناني لا يزال على تعقيداته. لم تطرأ عليه حلحلة ملحوظة. لكن الخطاب المتداول، سجّل بعض الهبوط النسبي في حدّته. ربما أجواء الانتظار لنتائج التحقيق في أحداث الأحد الأسود، ساهمت في ذلك.

وهذا أمر ايجابي ومطلوب. خاصة وأنه يشكل مناخاً مساعداً لمهمة الأمين العام. يساعد في ذلك ويصبّ في تزخيمه، ما تردّد بأن الأمين العام ربما يكون قادما هذه المرة «بمقاربة جديدة»، بخصوص النقاط الثلاث لبيان وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم الأخير. مقاربة قد تساعده في التقريب بين فريقي النزاع في لبنان.

وفي هذا السياق، تردّد أيضاً أن هناك اتصالات حصلت ومساعي بذلت لتحسين أجواء إقليمية معينة، ذات تأثير بالوضع اللبناني. وربما كانت تركيا مساهمة في هذه المساعي؛ التي لا يستبعد البعض أن تؤدي إلى نتائج مثمرة. وربما أيضاً كان اقتراب موعد القمة العربية، قد كان من بين الاعتبارات التي دفعت الأمور باتجاه اختراق ما.

في كل ذلك ما يشجع على الاستبشار وتوسيع فسحة الأمل. لكن يبقى ذلك، في حال أخذ ترجمته على الأرض، بمثابة النصف الملآن للكأس. النصف الآخر، على اللبنانيين التكفّل بملئه. ليس هناك من يمكنه القيام بهذه المهمة غيرهم. البديل فشل ثان للمبادرة العربية؛ وبالتالي إسقاطها وطي صفحتها إلى غير رجعة.

ومعها قد تطوى صفحة المرشح التوافقي؛ الذي كان قد تمّ التوصل إليه بشق الأنفس وبعد عدة أشهر من التجاذبات وشدّ الحبال؛ مع كل ما صاحب ذلك من اندفاعات نحو حافة الهاوية. الآن مع عودة الأمين العام إلى لبنان تعود الكرة، من جديد إلى الملعب اللبناني. وليت اللبنانيين يتصرفون هذه المرة، بوحي اللحظة. فالتاريخ لا يرحم.