يتحدث اللغويون والأدباء والمفكرون عن العلاقة الجدلية بين اللغة والفكر، ويلاحظ الدارسون هذه الصلة الوثيقة في تراثنا، ويعجبون من عمق العلاقة بين اللغة ودلالاتها، وكيف أن المتحدث كان يصيب المحزّ أو سواء المفصل؛ فلا تبدو أقواله أو عباراته في وادٍ والدلالات الظاهرية أو العميقة في واد آخر.
وقد يشير الدارسون إلى أن مرد ذلك يعود إلى أمرين: أولهما امتلاكه ناصية البيان وتمكنه من اللغة بكل مستوياتها، والثاني إدراكه للصلة الوثيقة بين الكلام والدلالة، فلا يقول كلاماً ودلالاته الحقيقية لا صلة لها بما يقول.
لقد قال علماء اللغة كلاماً كثيراً في دقة اللغة العربية وقدرتها الهائلة على التعبير عن أغراض الناس ومقاصدهم، من دون أن تنوء بأي عبء، سواء كان في الأدب أو الفكر أو الفلسفة أو العلوم التطبيقية أو غيرها من مجالات المعرفة، وقد أسرفوا في توضيح أدق الدلالات التي تنجم من أدق الفروق اللغوية، وبسطوا ذلك في مقالات ورسائل وكتب وموسوعات ومعاجم منذ القديم.
ولكننا اليوم ننظر في لغتنا فنخالها كأنها ليست لغتنا، وكأن ناسها ليسوا ناسها ومستعمليها ليسوا أولئك الذين استخدموها وعبروا بها عن مقاصدهم وأغراضهم، ويبرز السؤال الكبير حول سبب ذلك.
وتبدو «لماذا» ساطعة أمام الأبصار فيما يتصل بالعلاقة بين اللغة ومستخدميها هذه الأيام؛ فلربما تجد المرء يتحدث في موضوع بلغة في مقام معيّن ثم يتحدث بنقيض هذه اللغة في مكان أو مقام آخر.
وكأنهم فهموا عبارة «لكل مقام مقال» بما يعكس هذا الانفصام في اللغة ويبرّر التناقض في المواقف والميل إلى الكذب والنفاق، حتى غدا الشخص الواحد أشخاصا بحسب المقامات التي يوضع فيها والناس الذين يتحدث إليهم ويحاورهم، وهكذا تغدو اللغة مركبا يمتطيه المتلونون ليحققوا به شيئا من مآربهم ومطامعهم ضاربين بالحقيقة والدقة وتحقيق المصالح العامة عرض الحائط.
وكم سمعنا مرات ومرات من يصم العربية بأنها تفتقر إلى الدقة ويعوزها الوضوح والقدرة على التعبير عن الحقائق تعبيرا حاسما يخلو من الضبابية والغموض، وأنها لا تجاري، في الوقت الحاضر، لغات أخرى أثبتت لنفسها حيازة السبق في الدقة والاستجابة لمتطلبات العلوم المختلفة.
فهي تقف كالعاجزة يكتنفها الغموض والفقر والتداخل في الدلالات، فأنت حين تستمع إلى من يتحدث بها تضيع في ركام من الكلمات لا تملك القدرة على التعبير عن حقائق الموضوع، ولا تعطيك فكرة دقيقة عن أبعاده وأجزائه.
بينما ترى نفسك وأنت تستمع إلى من يتحدث في الموضوع نفسه بلغة أخرى قادرا على الفهم مدركا أبعاد المسألة عارفا بما تكتنفه من محاور وأفكار.
والسؤال هنا هل العجز في اللغة أو في أهلها؟ فأنت تجد الآخر يجتهد أن يعبر عن الفكرة أدق تعبير إخلاصا للفكرة نفسها، وإدراكا لأهمية الحقيقة ذاتها. أما المتحدثون بالعربية، فأكثرهم حين يعبرون عن فكرة ما يكونون مسكونين بهاجس تقديم أنفسهم ـ لا الفكرة التي يتحدثون عنها- تقديما يبوئهم مكانا عاليا قد لا يستحقونه في الحقيقة، إنّ الحديث يختلط فيه بيان الفكرة ببيان صاحبها، بل إنّ الثاني يأخذ من حظ الأول، فيصبح الحديث بالعربية حديثا مهلهلا لا تصل فيه إلى خلاصة واضحة مركزة.
لقد أصبحت اللغة العربية توظَّف لخدمة الأغراض الشخصية للمتكلمين بها، ولتأكيد نجوميتهم التي اكتسبوها بالزيف والنفاق وادّعاء المعرفة، فهي لا تستخدم كما تستخدم سائر اللغات للتعبير عن مقولات العلوم والأفكار التي تنبثق في مجالات المعرفة بالبحث العلمي والقراءة والاجتهاد في الكشف والابتكار، بل هي توظف ـ حتى في اللقاءات العلمية ـ لتلميع الناطقين بها، ولنيل رضا أولي الأمر، وكأنهم يؤكدون مقولة إن اللغة العربية أصبحت الآن منافقة، حتى أصبح الإنشاء.
وهو أجلّ مهمة عرفها التاريخ، موضوعاً للتندر والسخرية جراء هذا الاستخدام الفوضوي للغة، حتى أصبح كل من هب ودب ينشئ ويتعامل مع اللغة تعامل اللبيب الخبير وليس له من اللغة ولا الفكر أدنى نصيب.
ولعل وسائل الإعلام تعطي مثلاً ناصعا على سوء استخدام اللغة، فنظن أحياناً أننا في زمن الأنبياء والفلاسفة والقادة الفاتحين، فتتعطل فينا أو في معظمنا حاسة التقدير والتقويم ويتساوى في المعيار سحبان وباقل! يا لله ما أكثر ما يدعو في هذا الزمن إلى الرثاء.
ولعل آفة مستخدمي اللغة تتمثل في الطبقة العليا من المفكرين والنقاد خاصّة؛ فقد تصادف شخصاً يتملق مشاعر الناس حين تهب صرعة من الصرعات الفكرية أو الاجتماعية، فينبري لها، زاعقا في كل منبر بأنه أبو هذا الاتجاه أو المذهب أو القضية، أو هو - إذا رأى أن يتواضع قليلا- ابنها البارّ الذي تربّى في حياضها وتنفس هواءها حتى غدا - في هذا العالم الغارق في الفوضى- العلم الذي يشار إليه بالبنان، والواحد الذي لا يباريه أحد ولا يدانيه.
فقد يركب مركب الدفاع عن المرأة باعتبارها هامشية أو مهمّشة، ويتحدث عن مقولة الذات والآخر في وضعية المتعاطف المدافع، بل في صورة الشهيد الذي تصوَّب في وجهه البنادق أو تزرع في ظهره الخناجر، لأنه صاحب المبدأ والقضية، فتكتشف ببساطة أنه يتاجر بما ثقف من بضاعة غيره.
بل يتسوّل بها أمام من يمنحونه الثقة ويجزلونه العطاء حين يصبح الأمر على المحك؛ فتراه منتفخ الأوداج مصعّر الخد غليظ الرقبة يكاد يطير عن الأرض ترفعاً وكبراً وينسى أو يتناسى من يدافع عنهم من المظلومين المستضعفين الهامشيين، وتبقى حجته أنه العالم الذي لا يجوز أن يحاوره أحد أو يختلف معه في الرأي أو الحكم مهما يكن علمه ومهما يكن شأنه.
أقول هذا لأدلل على أن ثمة بوناً شاسعاً بين اللغة ومستعمليها وبين الأطروحة والخبرة المربية، كما قال جون ديوي في يوم من الأيام. ولكننا في عالمنا العربي نصنع هذه الأسماء بجهلنا أو بكسلنا وتراخينا، وبغياب ثقافة البحث العلمي وبعدم احترام المعرفة في جوهرها الحقيقي المتحرر من الأشخاص والأعلام الذين قد يثبت الزمن زيفهم وخواءهم.
لقد صنعنا بجهلنا وركوننا إلى المجاملات والنفاق أسماء كبيرة، حتى غدت مرجعا وحيدا للمعرفة، ومصدرا أساسيا من مصادر الحكم والتوجيه، فلا يستطيع أحد مهما تسلح بأدبيات الحوار العلمي، ومهما تمسك بالموضوعية والتجرد أن يدانيها فيما أوتيت من علم.
وما اكتسبته من ثقافة واسعة، وهي في الحقيقة استطاعت أن تستغل الجهل العام الذي يحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، فتجعل من بعض ما اطلعت عليه في غير سياقه الحقيقي نتفاً أشبه بالشعارات والمقولات تطعّمها بألفاظ برّاقة تبهر بها الجهلة غير المطلعين من الناس، فتصبح اللغة حينئذ مركبا لها للصعود والتسيّد، وبوابة تلج من خلالها إلى زمرة النخبة العليا من المثقفين العالِمين.
إن الحديث السطحي الذي لا يعبر عن موقف حقيقي ولا عن قضية يناضل المفكر من أجلها مهواة سحيقة يهوي بها صاحبها إلى مدارك العجز والهوان، لأن الكلام موقف، والكلام مقدمة الفعل، بل هو الفعل نفسه كما قال نصر بن سيار والي خراسان:
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها الكلام
جامعة الإمارات