قبل أيام مضت رحل عن دنيا الوجود الدكتور جورج نقولا حبش، أحد أبرز بناة المداميك الأولى في مسار الحركة القومية العربية المعاصرة، وأحد أبرز رجالات الثورة الفلسطينية المعاصرة.
كما غادر من قبله الرجال التاريخيون من أبناء فلسطين من صنو عز الدين القسام والحاج أمين الحسيني وأحمد الشقيري وياسر عرفات. غادر جورج حبش دنيا الوجود رجلاً صلباً ومنتمياً، كصلابة وانتماء شجرة الزيتون الفلسطينية العتيقة، بعد أن صنع المكانة كرائد في الكفاح الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، وكمفكر قومي امتزجت رؤيته للخصوصية الفلسطينية مع عمقها وبعدها القومي العربي في الصراع مع الغزو الصهيوني.
وبرحيل الدكتور جورج حبش تكون الثورة الفلسطينية المعاصرة قد ودعت الرجل قبل الأخير من قادتها الأوائل، فقد بقي على قيد الحياة من القادة المؤسسين أحمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة.
بل وتكون الثورة الفلسطينية قد ودعت (حكيمها) وصمام أمانها، الذي رحل نظيف اليد واللسان، مشبعاً بالقيم والمثل العليا التي تليق بالشعب الفلسطيني وأنهار الدماء من الضحايا والشهداء التي سكبت على ترابها وفوق التراب المحيط بأرض الوطن الفلسطيني.
رحل جورج حبش، وبرحيله بدأت عوامل التحفيز تنشط في ذاكرتي المليئة بما أحمله للدكتور جورج حبش من مواقف كنت شاهداً مباشراً على الكثير منها، خصوصاً أثناء حصار بيروت البطلة عام 1982.
حيث كان الدكتور حبش في مقدمة القيادات الفلسطينية التي دأبت على التحرك والتجوال بين مواقع المقاتلين على مختلف محاور القتال في بيروت، حتى على الخطوط القريبة التي لم تكن تبعد أكثر من بضع عشرات من الأمتار عن مواقع العدو الإسرائيلي وتحشداته الكثيفة التي طوقت بيروت سنتذاك، فكان يطيب له دوماً (شد الهمم) ورفع المعنويات.
وتكريس الثبات والقناعة بحتمية انتصار الشعب الفلسطيني واللبناني بالرغم من الحصار المطبق والقصف الهمجي الإسرائيلي المجنون الذي وصل في بعض الأحيان إلى إطلاق نحو (20) ألف قذيفة في اليوم الواحد على مختلف المناطق في بيروت الغربية المحاصرة.
رحل جورج حبش، بعد أن قطع مشواراً كبيراً، برهن فيه عن إمكانية التصالح والتوافق والتلاقي بين تياري اليسار والقومية العربية والثقافة الإسلامية، فكان يردد القول دائماً (استطيع أن انسجم مع مسيحيتي ويساريتي وقوميتي مع ثقافتي وتربيتي الإسلامية).
وعليه كان سباقاً في ترتيب وبناء علاقة العمل الوطني والتجاور المشترك مع التيار الإسلامي الجهادي في فلسطين ممثلاً بحركتي حماس والجهاد، وهو ما أشار إليه الاخوة خالد مشعل والدكتور رمضان عبد الله شلح أثناء إلقائهم كلمات رثاء الدكتور حبش في أمسيات تأبينه في مخيم اليرموك بدمشق الأسبوع الماضي.
جورج حبش، القائد والمفكر الوطني والقومي، رجل القيم والمبادئ والثوابت الوطنية والقومية، أكثر من ستين عاماً في النضال الوطني ليترك من وراءه الكثير من البصمات في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وثورتها المعاصرة. وبذات القدر الذي جسد فيه الشجاعة والكبرياء الوطني .
فقد اتسمت هذه الشخصية الضميرية ببعد أخلاقي وإنساني ليصبح المعادل الموازن للمشهد الوطني الفلسطيني الذي يحمي الوحدة الوطنية الفلسطينية وثوابتها تحت صيحة ( وحدة.. وحدة. .حتى النصر)، فأنتج موقفاً فلسطينياً شعبياً لم يستطع أحد من الرسميين الفلسطينيين أن يعاندوه، موقفاً أكد مقولة وحدة أدوات الكفاح الفلسطيني في اتجاه البوصلة.
وحل التناقضات الداخلية في إطار معادلة الوحدة الوطنية. ومن حينها أدرك الجميع بأن الحكيم صمام أمان الوحدة الوطنية، ويوم الانقسام الفلسطيني بعد حرب العام1982 هتفت بأعلى صوته : الاقتتال الداخلي حرام حرام حرام.
ولد جورج حبش في مدينة اللد عام 1925 ودرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، عاش لحظات النكبة، وشاهد بأم عينه مأساة شعب بأكمله إبان التهجير العرقي الواسع الذي نفذته العصابات الصهيونية، خصوصاً في منطقة اللد والرملة حيث قاد اسحق رابين عملية طرد الفلسطينيين من وسط فلسطين فلجأت أسرة جورج حبش من اللد إلى الضفة الشرقية.
فتركت النكبة بصماتها الكبيرة على شخصية وسمات وتكوين الدكتور حبش، فشب على المأساة محاولاً تلمس طريق العودة والتحرير، فانطلق بتوسيع إطارات حركة القوميين العرب التي تشكلت نواتها الأولى في الجامعة الأميركية في بيروت.
حيث تركت النكبة نتائج بالغة الدلالة على المفكرين العرب، الذين أيقظوا روح الانتباه من الخطر الصهيوني وصلته بمصير القومية العربية فشاركوا الدكتور حبش في مساراته القومية التأسيسية في مقر الجامعة الأميركية، ومنهم : قسطنطين زريق، جورج حبش، هاني الهندي، أحمد الخطيب، وديع حداد، صالح شبل، حامد جبوري.
كاتب فلسطيني ـ دمشق