مع وصول الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إلى بيروت غدا في جولته الثانية لاستئناف مهمة التقريب بين الأطراف اللبنانية للتوصل إلى رؤية مشتركة متوافق عليها بين الموالاة والمعارضة لتطبيق «الرؤية العربية» الثلاثية البنود لحل الأزمة الرئاسية ولاستعادة الوحدة الوطنية بناء على تكليف وزراء الخارجية العرب، ومع ابتعاد فرص النجاح قليلا، إلا أننا نتمنى لها النجاح في حل حسبة بيرما اللبنانية بعد فشل جولته الأولى. التي ترجع إلى ثلاث نقاط داخلية لبنانية وإن كان لها امتدادات إقليمية ودولية..

الأولى، رفض الموالاة تطبيق مبدأ «التوافق» قبل التشكيل على نسب المشاركة بين الطرفين في حكومة الوحدة الوطنية، وعلى شخص رئيس الوزراء الذي يخلف الرئيس السنيورة بعد انتخاب رئيس الجمهورية، بينما قبلت المعارضة سحب ترشيح مرشحها للرئاسة الجنرال ميشيل عون وقبلت بـ «التوافق» على العماد ميشيل سليمان كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية. .

والثانية، هي رفض الموالاة مبدأ التفاوض مع ممثل المعارضة على تشكيل الحكومة على أساس المشاركة المتساوية ( 10 +10+10) أو على أثاث الثلث الضامن (11) والإصرار على التشكيل على أساس مبدأ الأغلبية والأقلية لا على أساس مبدأ التوافق.

والثالثة، هو ما بدا للمعارضة أن التفسير ( 13 + 10+7 ) الذي طرحه عمرو موسى للبند الثاني من المبادرة العربية، والاقتراح الذي قدمه كحل وسط لتشكيل الحكومة بين مطلب الموالاة بالأغلبية ومطلب المعارضة بالتساوي يخالف منطوق نص المبادرة. فأين العقدة بالتحديد لنفك العقدة وتحل حسبة بيرما مع أن المشكلة ليست في بنية المبادرة بل في تفسيرها وفي تطبيقها نصا وروحا؟!

في السبب الأول، تكمن المشكلة في غياب المعيار الواحد لاختيار شغل المواقع الرئاسية (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة)، فبينما تطلب المبادرة من المعارضة سحب ترشيحها للجنرال عون وقبول العماد سليمان مرشح الموالاة لرئاسة الجمهورية على أساس التوافق، لا تطلب من الموالاة قبول مرشح المعارضة أيا كان لرئاسة الحكومة على أساس التوافق.

وفي السبب الثاني، تكمن المشكلة في تغييب مبدأ التوافق الذي حكم شغل منصب الرئاسة، في البند الأول من المبادرة، في نسب تشكيل الحكومة بين الموالاة والمعارضة، طبقا للبند الثاني، وتحكيم مبدأ الأغلبية والأقلية والدستورية، بما بدا ازدواجاً في المعايير.

وفي السبب الثالث، تكمن المشكلة في اختلاف تفسير النصوص عن التفسير بتقديم «فورية» الأولوية لانتخاب رئيس الجمهورية توافقيا على «فورية» التوافق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وعدم تفسير نص البند الثاني للمبادرة طبقا لمنطوقه بل لإرضاء الموالاة.

إذ ينص على التشكيل «الفوري» لحكومة الوحدة الوطنية على أساس ألا يسمح التشكيل لطرف بترجيح قرار أو بإسقاط قرار، ويكون الصوت الوازن لرئيس الجمهورية بينما صيغة 13 للأغلبية و10 للأقلية التي تبدو تفسيرا عربيا تتيح للأغلبية ترجيح القرارات العادية ولا تتيح للمعارضة إسقاط القرارات المصيرية! وهنا يبدو السؤال.. هل المشكلة في الطرف العربي أم اللبناني؟

ودعونا نعترف أن المشكلة الآن نابعة من أجندتين الأولى لبنانية للموالاة تقوم على فكرة غلبة الأغلبية على الأقلية وتغييب مبدأ التوافق إلا انتقائيا إذا توافق مع أجندتها ورفضه فيما عدا ذلك، وهذه الأجندة تدعمها موالاة عربية وتصر عليها السياسة الأميركية الفرنسية، والثانية لبنانية للمعارضة تدعمها معارضة عربية وتسعى إليها السياسة السورية والإيرانية تقوم على فكرة التوافق ولا غالب ولا مغلوب.

ولأن التوافق لم يتم بشكل حقيقي في لبنان لارتباط أطراف لبنان بأطراف إقليمية، ولأنه لم يتم بشكل حقيقي في بيت العرب للتباينات السياسية والمذهبية والمصلحية بين الأطراف العربية الأساسية، ودون إغفال لتأثير الأطراف الدولية على السياسات العربية..

فستبقى «حسبة بيرما اللبنانية» وستتباعد فرص الحل الإقليمية، ما لم تتغير المعطيات العربية الحالية بعيدا عن الأجندات الدولية، لتجد صداها الإيجابي على الأرض اللبنانية.

mamdoh77t@hotmail.com