إن استمرار الخلافات بين أكبر فصيلين فلسطينيين فتح وحماس يعتبر جريمة كبرى تتحمل مسؤوليتها ونتائجها وتداعياتها على القضية الفلسطينية الجريحة والقدس المسلوبة والشعب الفلسطيني المقسم القيادات السياسية الفلسطينية لهذين الفصيلين أولاً وثانياً ثم المحيط العربي المغيب والهزيل ثالثاً وأخيراً.

فلم يعد مقبولاً الاستمرار باتهام إسرائيل والقوى الغربية وحدهم بمسؤولية الصراعات الفلسطينية على السلطة والوزارة والرئاسة والمال والدعم السياسي الخارجي وبتغييب القضية والمقدسات الفلسطينية والشعب الفلسطيني عن عقل وضمير الزعامات الفلسطينية، إلا في بعض الشعارات من ذلك الطرف أو ذاك.

هذا في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على بناء المستعمرات والجدار العازل وشراء الأسلحة وتطوير الجيش وقدراته العسكرية وتقضم الأرض وتدنس المقدسات وتسلب الإرادة القوية التي طالما تمتع بها الإنسان الفلسطيني بسبب حالة اليأس التي تملكته.

هذا لا يعني أن إسرائيل والقوى الداعمة لها لا تعمل على تقوية الخلافات السياسية والإيديولوجية بين الفلسطينيين من جهة والفلسطينيين والعرب من جهة أخرى. فأجندة إسرائيل السياسية والاستراتيجية منذ ولادة الدولة العبرية، تدعمها كبرى القوى الغربية، تتآمر ضد الفلسطينيين والقوى الداعمة لها وخاصة في العالم العربي والإسلامي وهي ما زالت مستمرة في نهجها الثابت وصولاً إلى تحقيق السلام المزعوم الذي يحقق مصالحها ومصالح القوى الداعمة لها.

ولكن ما الجديد في السياسة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته؟ ألم تكن السياسة الإسرائيلية منذ النكبة عام 1948 مروراً بالنكسة عام 1967وحتى عام 1993 هي ذات السياسة التآمرية ضد القضية الفلسطينية؟

وبعد توقيع إتفاق أوسلو عام 1993 والاتفاقات اللاحقة تحت راية وشعار الأرض مقابل السلام وتنازلت فيه منظمة التحرير الفلسطينية عن 78 % من أرض فلسطين التاريخية مقابل أن تسترد 23 % فقط وهي أراضي 1967 لإقامة الدولة الفلسطينية وأن تصبح القدس الشرقية عاصمة الفلسطينيين استمرت ذات السياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

لقد سعت إسرائيل العمالية والليكودية من وراء اتفاقات أوسلو وطابا وواي ريفير وغيرها من الاتفاقات المعلنة وغير المعلنة أن تحقق ثلاثة أهداف أساسية:

1ـ إنهاء انتفاضة الحجارة في الضفة الغربية وقطاع غزة التي هزت الضمير العالمي ووضعت القضية الفلسطينية في مقدمة الأجندة الدولية.

2ـ خلق صراع فلسطيني - فلسطيني بين فتح وحماس كبرى الفصائل الفلسطينية سيما وأن البرنامج السياسي لكل من هذين الفصيلين مختلف بشكل جذري تجاه تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية بعد توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

ـ بناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وهذا الأمر بدا واضحاً لمعظم رجال الساسة والمحللين السياسيين والاستراتيجيين في فلسطين والعالم العربي لا سيما وأن رئيس وزراء إسرائيل الراحل إسحاق رابين كان قد طلب من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في أكثر من مناسبة أن تقضي قوى الأمن الفلسطينية على عناصر حركة حماس بعد قيام السلطة الفلسطينية ورفض «ختيار» فلسطين أبو عمار التجاوب مع المطلب الإسرائيلي.

ولم تيأس إسرائيل في محاولاتها للإيقاع بين الأشقاء الفلسطينيين تارة عبر الرفض المستمر للاعتراف بالحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني الأمر الذي أحرج ساسة فتح والسلطة الفلسطينية لأنهم تبنوا المفاوضات السياسية كأساس وحيد لاستعادة الحقوق الوطنية وجعلهم على تناقض تام مع أشقائهم في حركة حماس.

وتارة أخرى من خلال سياسة التجويع والحصار والقتل الممنهج لتطويع وإذلال الفلسطينيين سياسياً واقتصادياً وتعميق الخلافات السياسية بين فتح وحماس على قاعدة برنامج سياسي علماني ضد برنامج سياسي إسلامي.

إذاً السياسة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني وقياداته واضحة الأهداف لم تتغير في السابق ولن تتغير في المستقبل لأنها السبيل الوحيد لمزيد من الإنجازات السياسية والاستراتيجية على أرض الواقع مقابل مزيد من الإخفاقات والفشل للسياسة الفلسطينية بشكل عام ولسياسات الفصائل الفلسطينية كل على حدى.

ولم يبق أمام القيادات الفلسطينية الوطنية والإسلامية إلا طريق الشراكة الحقيقية في صياغة وصناعة القرار السياسي الذي يؤمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية عبر برنامج سياسي ونضالي واحد منفصل عن الرؤى والسياسات الفصائلية المختلفة التي لا يجب أن تؤثر سلباً على المشروع الوطني الفلسطيني.

والمهم في المرحلة القادمة أن يستخلص الساسة الفلسطينيون العبر والدروس من تجاربهم السابقة ومما تعرض له الشعب الفلسطيني من اعتداءات أو جراء اخفاقات سياسية ذاتية. فمن الخطأ بل من الخطيئة الاستمرار في السياسات الحالية بلا تقييم ودون الوقوف بجرأة عند الأخطاء للوصول إلى اتفاق دائم يمنع تكرار ما حدث في السابق.

كما إن الحصار الإسرائيلي وتجربة المعابر الأخيرة وما حصل من هدر للدم الفلسطيني وغيرها من الأمور التي كانت تعرف بالخطوط الحمراء والتابو يجب أن تكون بمثابة المنبه الخطير لكافة الأطراف الفلسطينية وخاصة من يمسكون بزمام الأمور في قطاع غزة وفي الضفة الغربية على حد سواء، لأن الإسراع إلى انتزاع فتيل التوتر والصراعات الداخلية هو السبيل الوحيد لفك الحصار الإسرائيلي المفروض على كل الشعب الفلسطيني بأشكال مختلفة.

إن الحل الأمثل لإنهاء الأزمة الفلسطينية يكمن في العودة إلى الشعب الفلسطيني ليقرر عبر صناديق الاقتراع من يحكمه في السنوات القادمة على أن يتفق جميع الأطراف على أن الحكومة الفلسطينية تتشكل من لون واحد لأن تجربة حكومة شراكة وطنية أو ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية أثبتت فشلها في فلسطين ولبنان والعراق.

فإما أن تحكم فلسطين ديمقراطياً من قبل الإسلاميين بدعم من قبل جميع الوطنيين والسياسيين وإما أن تحكم من قبل الوطنيين بدعم من قبل الإسلاميين.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com