كشف انقطاع الإنترنت عن بعض دول المنطقة عن حجم الهيمنة المفرط الذي تمارسه شبكة الإنترنت في عالمنا المعاصر.
فنتيجة لانقطاع كابلين رئيسيين للإنترنت على بعد 12 كيلومترا مقابل مدينة الإسكندرية المصرية يوم الأربعاء 30 يناير 2008 توقف عمل 70% من شبكة الإنترنت المصرية، و 60% من شبكة الإنترنت الهندية، إضافة إلى البطء الشديد الذي أصاب عمل الشبكة في كل من السعودية والبحرين وقطر والكويت والإمارات.
ولم يكن المرء يتصور أن انقطاع الإنترنت يمكن أن يضرب الاقتصاد وحركة المعاملات المالية بمثل هذا الشكل.
ففي مصر الأكثر تضررا توقفت مبيعات شركة مصر للطيران، كما تأثرت الشركات والبنوك والكثير من خطوط الطيران الأخرى العاملة في مصر، كما تأثرت أسواق الأسهم، وتباطأت حركة العمل في الكثير من الأعمال الخدمية المختلفة التي تعتمد على البريد الالكتروني بشكل كبير.
ورغم أننا نستخدم الإنترنت يوميا بدرجة تقترب من حدود الإدمان، إلا أننا لم نكن نتخيل أن هذه النوعية من الاتصال المعرفي يمكن أن تضرب الاقتصاد الوطني وتشل حركة التعاملات المادية والمالية المختلفة.
يثير انقطاع الإنترنت الأخير العديد من التساؤلات ويستدعي العديد من الاحتياطات المستقبلية المختلفة.
فمن الملاحظ أن العالم العربي يستدعي التكنولوجيا من آخر تجلياتها، أو كما نعرف من أدبيات التنمية المختلفة أننا نتعامل مع المنتج التكنولوجي النهائي، بدون أن ندرك مخاطر استخدامه، وبدون أن نأخذ الحيطة لأي خلل قد يفاجئنا أثناء استخدامنا له.
بل إن المسألة البالغة الخطورة أننا نُقبل على استخدام المنتج التكنولوجي بدون أن ندرك حتى مخاطره الأمنية المرتبطة به.
ففي واقعة الإنترنت الأخيرة لوحظ أن المنطقة مرتبطة بحركة كابلات عالمية تديرها شركات دولية، فالكابل المقطوع هو جزء من خط دولي طوله 500 .24 ميل تديره إحدى الشركات العالمية. وهذا يعني أن كل تعاملاتنا المالية واتصالاتنا الدولية ومشروعاتنا الحالية والمستقبلية مكشوفة أمام الجميع.
فالشركات التي توفر هذه الكابلات يمكنها الإطلاع على كل ما يستخدم عبر هذه الخطوط. فهل تعي حكوماتنا العربية هذا الأمر؟
وإذا ما قبلنا بأن تكون مادة اتصالاتنا مكشوفة أمام الآخرين، فهل لدينا البديل الآخر الذي يمكننا العمل من خلاله إذا ما أصابت هذه الشبكات أية انقطاعات أو أعطال؟ أسئلة كثيرة يجب أن يضعها المسئولون عن حركة الاتصالات والإنترنت في العالم العربي أمام أعينهم، حتى لا يتم ترك حدودنا واتصالاتنا ومعاملاتنا مكشوفة أمام الغير، وبشكل مجاني.
وإذا كانت الدول العربية تضع رقابة صارمة على مواقع الإنترنت التي تقع ضمن حدودها الإقليمية أمام مواطنيها، وبشكل خاص تلك الأصوات المعارضة، فهل هناك أية ضوابط وقواعد تضمن سلامة المعلومات التي تتعلق بالمؤسسات الوطنية ذات الوضعية الحساسة اقتصاديا وأمنيا وثقافيا.
المسألة الأخرى التي كشف انقطاع كابلي الإنترنت عنها اعتقاد الكثير من أصحاب المدونات والمواقع بأن حكوماتهم قد قامت بغلق تلك المواقع، وهو أمر يحتاج إلى مراجعات واسعة النطاق. فلم تعد الحكومات العربية الآن، ولا أية حكومة في العالم قادرة على متابعة كل ما يكتب على الإنترنت.
لذلك من الضروري أن تغير تلك الحكومات من إستراتيجيتها الرقابية التي عفا عليها الزمن، وأن تغير من طرق عملها، وتوسع من مساحة حرية الرأي والتعبير.
إضافة إلى ذلك، فقد كشف ذلك الانقطاع عن الحيز الواسع من إدمان الإنترنت في العالم العربي. فقد أصبحت الإنترنت هي النشاط اليومي الذي يمارسه الأفراد في كل مكان مكان من عالمنا العربي. ويمكن لأي منا أن يستدعي ما يقوم به كل يوم، حيث سيجد أن جلوسه أمام الكمبيوتر وتصفحه للإنترنت هو الثابت اليومي الذي لا يحيد عنه.
فنحن نستخدم الإنترنت سواء في عملنا أو في البيت، سواء من أجل هدف محدد أو من أجل التسلية. والإجابة الجاهزة الآن إذا ما سألنا أي من أصدقائنا عما نعمل، هي تصفح الإنترنت، قراءة الصحف، البحث عن شيء عبر موقع جوجول أو ياهو.
هكذا حياتنا الآن تسير عبر شاشة الكمبيوتر، الذي يقبض على عيوننا ويحبس أفكارنا، أو يقودها حيث أراد وحيث شاء.
وإذا كنا ندعو الحكومات العربية إلى المزيد من الاهتمام بالجوانب المتعلقة بسرية المعاملات الاقتصادية والأمنية، فإنه من الضروري أن توجه الحكومات العربية المزيد من الاهتمام أيضا نحو الإنترنت والجوانب المرتبطة بها.
فلا يكفي أن تقوم الحكومات العربية بإنشاء مواقع رسمية خاصة بها، تُعرف من خلالها الآخرين بالوزارات والطقس والجغرافيا والعملة الوطنية مقابل الدولار وبالأنشطة المختلفة التي تقوم بها، رغم أهمية ذلك. فمن الأهمية بمكان أن تدخل الحكومات العربية الإنترنت كشريك فاعل على المستوى الاقتصادي والثقافي.
فتكاد مواقع الإنترنت العربية تخلو من جهود الحكومات العربية المنظمة الموجهة نحو الثقافة والأنشطة المعرفية المختلفة. ففي ظل تزايد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي، يجب أن تبذل الحكومات العربية، وعلى رأسها المؤسسات الرسمية الثقافية جهودا مضاعفة من أجل ترسيخ الجانب الثقافي والفكري الوطني الملائم لكل الأعمار ولكل الشرائح الاجتماعية المختلفة.
وإذا كانت معظم المواقع الثقافية والفكرية ترتبط بجهود فردية متباعدة ومنعزلة في عالمنا العربي، فقد آن الأوان لأن تقوم الحكومات العربية بدور في هذا السياق. وربما يخفف هذا الدور ما يدعيه البعض من غياب الجانب الثقافي الفكري الرسمي.
كما أنه قد يمثل واجهة حضارية تبعد عن تلك الحكومات تهمة الرقابة وغلق المواقع، عن طريق فتح أبواب الحوار والمناقشة بينها وبين المواطنين العاديين شريطة أن يتسع صدرها وتصبح أكثر عمقا وتأثيرا.
كشفت أزمة انقطاع الإنترنت الأخيرة عن العديد من المشكلات التي يجب أن تضعها الدول العربية نصب أعينها على كافة المستويات الأمنية والاقتصادية والثقافية المختلفة.
وإن لم تكن الأزمة الأخيرة كاشفا لحجم المخاطر التي تتهددنا فسوف نستمر عرضة لكافة الاختراقات المختلفة، إضافة إلى المزيد من غياب أي دور حكومي ورسمي فاعل على ساحة الإنترنت التي تتسم بالقسوة ولا تعرف الرحمة أو المهادنة.
كاتب مصري
