في استرجاعنا لوقائع الهزيمة الحاسمة التي منيت بها إسرائيل خلال الحرب التي شنتها على لبنان في صيف عام 2006 علينا أن نستذكر أن الغالبية العظمى من 1200 لبناني هم الذين فقدوا أرواحهم كانوا مدنيين غير مقاتلين، وأن عدد القتلى من الإسرائيليين كانوا 160 جندياً ميدانياً.

وعلينا أن نستذكر بصفة خاصة أن الضحايا اللبنانيين قضوا نتيجة عمليات قصف جوي من الطائرات الإسرائيلية، ما المغزى؟ المغزى هو انه بينما يمكن أن يؤدي القصف الجوي إلى دمار مدني واسع النطاق بما في ذلك مقتل أسر بالجملة فإنه يعجز عن إلحاق خسائر بشرية جسيمة بكوادر قتالية مدربة تتبع لتنظيم مقاومة تحررية.

ولأن مثل هذه المقاومة تمارس نهج الكر والفر والمباغتة على الأرض فإنها تستطيع تفادي القذائف النازلة من الجو، وهذه الملاحظة ومثيلاتها هي التي أصبحت تستأثر الآن بالمناقشات والمساجلات الحامية الدائرة حالياً في أوساط ضباط الجيش الإسرائيلي ـ كبارهم وصغارهم على حد سواء ـ كرد فعل على التقرير الاستقصائي الذي وضعه القاضي الإسرائيلي إلياهو فينوغراد عن أسباب الهزيمة الحاسمة التي لحقت بإسرائيل في حربها الأخيرة ضد لبنان.

وأبرز الاستخلاصات التي انبثقت من مناقشات الضباط كما نشرتها الصحافة الإسرائيلية أن أقوى أسباب الهزيمة هو أن العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي مبنية على أساس تفادي الاشتباك الأرضي مع قوات وكوادر المقاومة اللبنانية التي يقودها «حزب الله» اعتماداً على تكثيف القصف الجوي، وهذه هي الخلاصة الظاهرية. لكن الحقيقة أعمق من أن تكون مجرد هزيمة عسكرية في مسرح قتالي. فالأمر يتعلق بالمجتمع الإسرائيلي بأسره.

تفضيل أسلوب القصف من على البعد الجوي عن أرض المعركة يعني أن الاعتبار الأدق في نظر قيادة الجيش الإسرائيلي هو إيثار السلامة والعافية والمحافظة على الذات عوضا عن جسارة الاقتحام وشجاعة المنازلة المباشرة مع الخصم، لكن هذا التفضيل لا يأتي من فراغ. فهو يعكس حالة استرخاء عام بات ينتظم مجتمع إسرائيل.

يقول أحد كبار ضباط الاحتياط الإسرائيلي إن أزمة القيم في الجيش الإسرائيلي «هي أزمة المجتمع برمته».

ويضيف العقيد عومر بارليف قائلاً إن إسرائيل تحولت إلى مجتمع وفرة اقتصادية كان من شأنها إشاعة روح الاسترخاء للتمتع بزينة الحياة الدنيا التي يتيحها مجتمع الوفرة.. مع التكالب الفردي الأناني على المقتنيات المادية. وحين يكون النجاح الاقتصادي أسمى القيم وتكون الفردية مهيمنة ـ يقول العقيد بارليف ـ لا يعود الناس مستعدين للتضحية بأنفسهم.

وقول هذا الضابط الإسرائيلي الكبير يبدو وكأنه صدى لأحد الاستخلاصات الرئيسية الواردة في تقرير القاضي فينوغراد، فقد وصم القاضي الجيش الإسرائيلي (بالإفتقار إلى الجرأة والمبادرة والتصميم وقوة الإرادة).

إذن أصبح أمام الدول العربية الآمنة درسان بليغان وعمليان: درس الهزيمة الإسرائيلية ودرس الانتصار اللبناني. واستخلاص العبرة المزدوجة من الدرسين واضح كالشمس.

وهو انه بقدر ما يعزى انتصار المقاومة اللبنانية في الحرب ضد أكبر وأقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط إلى البسالة وقوة الشكيمة بالدرجة الأولى فإنه يعزى أيضاً إلى فقدان إرادة القتال والتضحية لدى مجتمع إسرائيل كما انعكس عملياً على جيشها.

وخلاصة الخلاصة هي أن الدول العربية ليست بحاجة إلى حرب تقليدية شاملة ضد الدولة اليهودية. بوسعها فقط أن توفر الإمدادات لفصائل المقاومة الفلسطينية.