بعد 43 رئيســــــاً و231 سنة من إعلان الاستقلال و225 سنة من الاعتراف بها كدولة مستقلة، تفتح الولايات المتحدة الأميركية صفحة جديدة؛ في تاريخ انتخاباتها الرئاسية. فلأول مرة، يفوز طامح، من غير الذكور والبيض الأميركيين؛ بترشيح حزبه له، لخوض معركة الرئاسة باسمه. الحزب الديمقراطي، الأكثر ليبرالية، سجّل هذا الافتتاح.
معركة «الثلاثاء الكبير»، أمس الأول، في انتخابات التصفية الحزبية، حصرت نتائجها المنافسة على الترشيح الحزبي، بين هيلاري كلينتون، السناتور عن نيويورك وزوجة الرئيس السابق بيل كلينتون؛ وبين باراك أوباما، الأميركي الأسود والسناتور عن ولاية إلينوي.
أحدهما صار في حكم المؤكد بأنه في طريقه لمنافسة المرشح الجمهوري، السناتور جون ماكين، الذي يبدو أنه حسم معركة التصفية الحزبية الجمهورية لمصلحته. تطور بالغ في مسيرة وتاريخ الانتخابات؛ بصرف النظر عن نتائجها، التي لا تزال تفصلنا عنها ثمانية أشهر.
مجرد دخول امرأة أو أميركي من الملوّنين، حلبة السباق الأخير إلى البيت الأبيض؛ بعد هذا التاريخ الطويل من التمييز ضدّ السود ومن استبعاد المرأة من هذا الميدان؛ هو بحد ذاته انعطاف ملفت يحمل الكثير من المدلولات.
صحيح أن خلو الساحة من مرشحين ديمقراطيين من العيار الثقيل، ربما يكون ساهم في وصول هيلاري أو أوباما، إلى هذا الموقع. لكن الصحيح أيضاً أن نسبة الإقبال العالية، لتأييد السناتور كلينتون من كافة الفئات؛ ولتأييد أوباما غير الاعتيادي في صفوف الناخبين البيض؛ كله يؤشر إلى نشوء مزاج جديد ومختلف لدى الناخب الأميركي.
يعني وجود تغيير في الشروط والمعايير، التي يبني عليها خياره الانتخابي. وهذا مؤشر جيّد، لجهة اختيار سيّد البيت الأبيض؛ كونه ينطوي على رغبة في المجيء برئيس مختلف عمّا هو مألوف، لناحية الشروط والطروحات والسياسات؛ وإلاّ لما ذهب الناخبون إلى ما لم يسبق لهم أن ذهبوا إليه من قبل.
أكثر من مرة نزل مرشح من الأميركيين السود، إلى الساحة. لكنه لم يصمد. سرعان ما كان يضطر إلى إعلان انسحابه باكراً من المعركة؛ بسبب فقر التأييد له. أما المرأة فلم تكن تفكر حتى بالترشيح؛ لعلمها أن حظها معدوم سلفاً.
لكن السؤال يبقى عمّا إذا كان مثل هذا المزاج التغييري قادراً على المجيء بالرئيس الذي يريده إلى سدّة الرئاسة؟ والأهم هو إذا ما كان الرئيس الجديد قادراً وراغباً على ترجمة هذا المناخ المختلف؟ وبالتحديد في مجال السياسة الخارجية.
وأكثر تحديدا، السياسة المتعلقة بالشرق الأوسط؟ سيرة المنطقة لا تزال، عموماً، خارج الحملة. ما قيل حولها يدور، كالعادة، في فلك إسرائيل. أوباما كان أكثر المعتدلين، نسبياً، في هذا الخصوص. أبدى تفهماً مقبولاً، مع شيء من الاستعداد، للتعامل المختلف مع المنطقة وقضاياها.
وإذا كان لا يزال من المبكر لأوانه إطلاق الأحكام، على صعيد السياسة الخارجية القادمة؛ إلاّ أنه لابدّ من التسجيل بأن رياحاً غير معهودة تهبّ في أجواء انتخابات الرئاسة الأميركية؛ ومن المهم متابعة رصدها.
