الإدارة الأميركية مجدداً.... ومن غير هذه الإدارة يستحق الذم والقدح والإدانة، والحديث عن «مآثرها» في حماية حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية، وتصدير الأزمات وتصنيع الأعداء من أوهام تعشّش في مخيلة أركان هذه الإدارة المريضة، ومن أحلام بني صهيون، كي ترسم صورة بشعة للشعوب التواقة للحرية والعدالة بينما تهبط الملائكة لإنقاذ العالم من أخطار لا وجود لها.
إدارة قسّمت العالم إلى معسكرين لا ثالث لهما: معسكر الشياطين ومعسكر الملائكة.
الأول يضم الدول والشعوب التي لا تعجبها السياسات الأميركية وترفض الإذعان للإملاءات والأوامر والتسليم بالشر الأميركي، ويضم الثاني إدارة بوش وبعض الحلفاء المخلصين لهذه الإدارة أو الأثيرين و«المدللين» لديها، وهو المعسكر الذي يجب أن يحكم العالم ويتحكم بمصائر الشعوب وثرواتها.
وتتواصل المعركة الأبدية بين قوى الخير وقوى الشر، لكن المفارقة العجيبة أن قوى الخير المفترضة، أو التي تدعي أنها كذلك هي التي تمارس أشنع الشرور وأبشع الجرائم بحق الإنسانية جمعاء، وليس بحق شعب دون آخر.
«الملائكة» الأميركيون قتلوا أكثر من مليون عراقي ومئات الآلاف من الأفغان، وأسهموا ويسهمون في قتل الفلسطينيين واللبنانيين و.. العرب أجمعين.
لسنا بحاجة إلى أدلة على ما تقترفه «ملائكة» بوش وشلته، فالأرقام تتحدث والوقائع تشهد. ألا يكفي القول: إن الجيوش الأميركية احتلت العراق على طريقة المستعمرين القديمة ودمرته حجراً على حجر، ونهبت ثرواته وآثاره، وقتلت مليوناً من شعبه؟
ألا يكفي ذلك ليعرف العالم أن مجرمي الحرب الأميركيين وضعوا أنفسهم فوق القوانين والأعراف الدولية،والقيم الإنسانية، ومنعوا ويمنعون أي جندي أميركي قاتل ومجرم من الخضوع للمحاكمة الدولية؟
ملائكة أميركا المتربعون بلا منازع على عرش محور الخير يظنون أنهم ينفذون إرادة إلهية بقتل الشعوب، ولا يتوانون عن اتهام الضحايا بالإرهاب والتطرف والإجرام.
بالأمس اعترف الجيش الأميركي بأنه قتل (عن طريق الخطأ) تسعة مدنيين من بينهم طفل، في حين أن المعلومات تفيد بأن عدد الذين قتلوا في هذه المجزرة الجديدة عشرون، من بينهم سبعة عشر شخصاً من عائلة واحدة.
وعبر الجيش مشكوراً! عن تعازيه لأسر الضحايا، لكنه لم يقدم اعتذاراً، ومتى كان القاتل يقدم الأعذار؟!
من حاسب الجلادين المجرمين على انتهاكاتهم المروعة لحقوق الإنسان في أبو غريب وقد تابعها العالم فصولاً مقززة؟ ومن حاسب ويحاسب الجلادين أنفسهم في غوانتانامو وبعض المعتقلات الطائرة والسرية؟ وربما سيأتي اليوم الذي نكتشف فيه أن هناك معتقلات تحت الماء في غواصات خصصت لممارسة «أجود» أنواع انتهاكات حقوق الإنسان.
الإدارة الأميركية مجدداً، فهل انتهت الحكاية؟ وهل هي إلا نتاج عنجهية متأصلة وإجرام مقيم منذ جرائم تصفية الهنود الحمر «سكان القارة الأميركية الأصليون» مروراً إلى قصف مدينة هيروشيما اليابانية بالقنبلة الذرية، وصولاً إلى أفغانستان والعراق دون أن ننسى الجرائم التي اقترفتها الولايات المتحدة في دول أميركا اللاتينية إما بشكل مباشر أو عبر دعم الأنظمة الفاشية والديكتاتورية فيها؟.
هذه هي أميركا التي يراهن عليها بعض الأشقاء ويستقبلونها بالعناق والقبل وبتسليم مفاتيح المنطقة لها عن طيب خاطر، أو للحفاظ على مكاسب آنية ومصالح ضيقة وزائلة.
وهذا هو بوش، حفيد هاري ترومان صاحب قرار قتل 250 ألف ياباني في هيروشيما بثانية واحدة، فهل نصدق أنه قد يكون صديقاً للعرب، أو حتى أن يصبح هو أو من سيرثون البيت الأبيض من بعده، في الخندق المحايد؟
لا تراهنوا أيها العرب على أي إدارة.. فيكفي ما أصابنا من نكسات بسبب هذه الرهانات. والرهان الوحيد يجب أن يكون على سواعدنا ووحدة قرارنا ورص صفوفنا، فمواجهة الشياطين لا تكون بإدخالهم إلى بيوتنا وأرضنا والركوع أمامهم والانحناء في حضرتهم.. فهل ستصل الرسالة؟
عصام داري
