كان ولا يزال الموقف العربي الرسمي العام في تعاطيه مع القضايا العربية المصيرية محط انتقاد من قبل الشعوب العربية، حيث كثيرًا ما تأخذ عليه بأنه غير فاعل ومقيد بقيود وأصفاد كبلته بها القوى الغربية الباحثة عن مصالحها والراغبة في تحقيق أطماعها، فأصبح لا يقوى على قول كلمة لا لما تقوله وتنوي عليه تلك القوى، من وجهة النظر الشعبوية.

ولا يخفى أن الوضع السياسي العربي مر بحالة من السبات العميق، بعد فترة لم تدم طويلاً من المناكفة والمواجهة والوقوف في وجه الأطماع الغربية، غير أن هناك ظروفًا وأحوالاً أعقبت تلك الفترة، وخاصة بعد التوقيع على اتفاقيات سلام مع الكيان الإسرائيلي، خلخلت الموقف العربي وأفقدته توازنه وقوته، وعرَّت المخطط الغربي برغبته في تفتيت حبات العقد الناظم للدول العربية، والدخول في تحالفات ثنائية بالتوقيع على معاهدات حماية واتفاقيات عسكرية واقتصادية وغيرها.

فشكل هذا الاستفراد والانفراد والخروج عن دائرة الحديث بلسان الجمع إلى لسان الفرد فيما يتعلق بالقضايا العربية المصيرية، فرصة لإسرائيل لاختراق الجدران الصادة لعمليات التطبيع والسلام والاستفراد بدول المنطقة واحدة تلو أخرى، والدولة أو الحركة الممانعة لذلك مثلت هدفًا لخلخلة نظامها والاعتداء عليها كما هو حال العراق ولبنان والسودان وحركات المقاومة الفلسطينية.

وعندما اكتشف العرب خيوط المؤامرات والدسائس التي تستهدف تفتيت المنطقة برمتها، حاولوا جاهدًين أن يعيدوا اللحمة والتضامن عبر مبادرات عديدة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن هذه المبادرات كانت مفتقدة لآلية التنفيذ الفاعلة، فضلاً عما تخفيه منابر الاجتماعات من تشاحن وتلاسن بين الفرقاء العرب، وهذا ما حكم على فشل مبادراتهم مسبقًا.

فعلى سبيل المثال المبادرة العربية التي اتفق عليها وزراء الخارجية العرب في الخامس من يناير الماضي الخاصة بالوضع اللبناني، لا تزال على المحك وتراوح مكانها، وهناك تسريبات تشير إلى أن شكوكًا في نجاح الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في تنفيذ هذه المبادرة، وقبل ذلك هناك جهود جامعة الدول العربية في رعاية المصالحة العراقية، وأيضًا رعاية المصالحة بين الأطراف الصومالية، وكذلك جهودها لحل أزمة إقليم دارفور، وكل تلك المبادرات والجهود لم تجد آذانًا مصغية من قبل الذين تتوجه إليهم وذلك بسبب فقدانها عنصر الجدية والصرامة وآلية التنفيذ.

وحتى يستعيد الموقف العربي عافيته وثقته وقوته عليه أن يلتفت إلى القضايا الجوهرية التي تمس أمن الشعوب العربية وحاضرها ومستقبلها، بعين متبصرة تغلب المصلحة العليا للأوطان والشعوب، ومن منطلق اليقين والإيمان بأن مصيرنا وحلول مشاكلنا بأيدينا وليس بيد غيرنا.