استبشر الموظفون والموظفات بزيادة رواتبهم واستعد الكثيرون منهم لمرحلة جديدة قوامها الاعتدال في الإنفاق وإعادة تخطيط وتنظيم الدخل، بشكل يصبح معه قادرا على الإيفاء باحتياجات أسرته، ويحيا في سعة العيش ويتمكن من تلبية متطلبات الحياة من بناء مسكن، تأمين مستقبل أولاده وفق ما يتسنى له من توفير الفائض من الدخل، وإن كان عازبا فالزيادة فرصته لتأمين مستلزمات حياته المقبلة فيقدم عليها بعيدا عن الديون.

تلك كانت من أهداف زيادة رواتب الموظفين، لكن ما يحدث يخالف ذلك تماما، فالمصارف أعدت عدتها لالتهام ما يدخل حسابات عملائها أولا بأول، من خلال العروض الترويجية والإغراءات الكثيرة وتسهيلات القروض البنكية أضعاف الراتب تصل إلى حد المليون درهم.

مبالغ لو كانت لأجل بناء مسكن واستقرار العائلة فلا بأس بذلك، فالمردود في النهاية يؤول إلى العائلة وتتمكن من بناء مسكنها، خاصة وأن المبالغ التي تمنحها الحكومة وبرامج الإسكان لا تفي ولا تبني بيتا مهما قدم المواطن من تنازلات ورضي بأقل القليل، فشركات المقاولات لا تقبل طلبا ولا تفتح ملفا بأقل من مليون درهم، وبالتالي ليس أمام المواطن سوى القروض.

أما أن يكون القرض فقط من أجل زيادة القوة الشرائية واستهلاك ما يحتاجه وما لا يحتاجه، وتغيير السيارة أو الدخول في سوق الأسهم ومضاربتها « عمياني » فهذا هو الجنون بعينه، ويرجع الموظف في نهاية الأمر إلى نقطة الصفر يكتوي بنيران القروض، يدفع ويدفع، ينتهي عمره ولا تنتهي الأقساط البنكية، خاصة في حالة تجديدها وما يترتب عليها من فوائد مركبة وغيرها.

و«كأنك يا بو زيد ما غزيت» ولا يكون عندها العيب في الغلاء أو قلة الراتب، بل في عقولنا التي تفهم الأمور بعكس موازينها، وثقافة لصقت بنا لا نريد أن نحيد عنها وهي الاستهلاك والشراء بداع ومن غير داع، وعدم تمكننا من تدبر شؤون أموالنا وأحوالنا مهما زاد دخلنا الذي يتغلب عليها الإنفاق في كل الأحوال.

و يصبح حال هذا الموظف، وإن تقاضى ما تقاضى أسوأ ممن لا يدخل جيبه إلا آلاف معدودة لا يستقطعه البنك، فيهنأ ولو قليلا بذلك القليل أكثر ممن يحسده الآخرون على راتبه الكبير، ويضحك في داخله على من يحسدونه وهم لا يعلمون بحاله.

هي صرخة أطلقها الشاب «علي» حزناً وألماً على شباب ينساقون لمغريات «البنوك» التي يعرض مندوبوها الذهاب إلى بيوتهم لتخليص معاملة القروض الشخصية في دقائق، تذهب في أيام ويبقى العمر كله يدفع ثمنها.

fadheela@albayan.ae