شكلت العلاقات مع إسرائيل محل رفض واشمئزاز من قبل الشعب الموريتاني ومعظم الأحزاب السياسية والقوى الحية الأخرى في المجتمع، منذ أن أقدم الرئيس الأسبق ولد الطايع على إقامة هذه العلاقات عام 1999.

أسباب الرفض كثيرة ومتنوعة، وليس البعد السياسي إلا جانبا واحدا من دواعي هذا الرفض، فهناك البعد الديني والتاريخي وحتى النفسي الذي يجعل الموريتانيين عموما ينفرون من الصهيونية وكل ما يمت إليها بصلة، بل إن بعضهم، وبشكل عفوي وتلقائي، يرفضون كل ما هو يهودي أو له صلة باليهود.

ولعل هذا ما دفع الحكومة الموريتانية بعد عدوان يونيو 1967 إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية، رغم أن الدولة الموريتانية حينها لم تكن قد أكملت عامها السابع بعد استقلالها في 28 نوفمبر 1960، وإن كان الكثيرون، وخاصة في المشرق العربي، لا يدركون هذه الحقيقة.

وربما يصعب على بعضهم أن يصدقها حتى الآن، لذلك كان مستغربا، بل ومستبعدا، أن تقدم أي حكومة موريتانية على إقامة علاقات دبلوماسية مع الإسرائيليين، حتى في ظل سلام حقيقي وشامل مع كل الدول العربية الأخرى.

لماذا، إذن، هذه العلاقات؟ وما جدوى وجودها أصلا؟ وما هو مبرر استمرارها حتى الآن؟!

لقد بات واضحا أن الرئيس الأسبق أقدم على هذه الخطوة المشينة والمرفوضة شعبيا في ظرف كان نظام حكمه يتعرض لضغوط شديدة ومتصاعدة، داخليا وخارجيا، وربما اعتقد أن الدخول في حمى الولايات المتحدة عبر البوابة الإسرائيلية، سيشكل حماية له ولنظام حكمه من ضغوط الرفض الشعبي والمعارضة السياسية من ناحية.

وكذلك من ضغوط واتهامات بعض المنظمات الدولية المنادية بحقوق الإنسان والتي لبعضها ارتباطات بجهات دولية معروفة بتعاطفها وحتى بولائها لإسرائيل ومجموعات الضغط المؤيدة لها، خاصة في الولايات المتحدة والغرب عموما.

وقد أثمرت هذه الخطوة مؤقتا في تخفيف الضغوط الخارجية على الرئيس ولد الطايع ونظام حكمه، لكن الضغط الداخلي ظل مستمرا ومتصاعدا، وبدأ يأخذ طابعا عنفيا بعد انسداد الأفق السياسي وانعدام جدوى الاحتجاجات السلمية في ظل رفض الرئيس حينها للتعاطي مع أي طرف معارض.

وهكذا دخلت البلاد طورا جديدا بعودة المحاولات الانقلابية المسلحة التي كانت أخطرها محاولة يونيو 2003، التي استولى فيها المهاجمون على القصر الرئاسي والعديد من المواقع المهمة في البلد، لأكثر من 48 ساعة قبل أن يتمكن الرئيس ومعاونوه من استعادة زمام الأمور، غير أن حالة الاحتقان وعدم الاستقرار ظلت مسيطرة إلى أن تم إسقاط الرئيس ونظام حكمه في الثالث من أغسطس 2005، دون أن تشفع له أو تحميه تلك العلاقة المشؤومة.

لكن شؤم السفارة الإسرائيلية على موريتانيا والموريتانيين لم يتوقف عند هذا الحد، فقد بدأت البلاد تعرف أشكالا جديدة من أعمال العنف والاعتداءات التي لم تعرف مثلها من قبل، ولم تكن من طبيعة أهلها أو مما تقره أعرافهم وتقاليدهم الاجتماعية، بغض النظر عن الدوافع والأهداف التي ترمي إليها.

كما ظهرت ممارسات جديدة هي الأخرى على المجتمع، من أبرزها انتشار تعاطي المخدرات والمتاجرة بها بين الشباب، والعديد من مظاهر الانحلال الأخلاقي والجريمة المنظمة التي باتت تؤرق السكان في العاصمة وبعض المدن الرئيسية الأخرى.

غير أن السحر، على ما يبدو، انقلب على الساحر الإسرائيلي هذه المرة، كما ظهر من خلال الهجوم المسلح الذي تعرضت له سفارتهم فجر الجمعة الماضي (1 /2/ 2008)، رغم أنه لم يصب أحدا من ساكنيها وموظفيها، ولم يكن منظما أو مدعوما من جهة أخرى، رغم إعلان «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» مسؤوليته عن الهجوم لاحقا.

وقد نقلت صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية عن مصادر إسرائيلية توقعها أن من قام بالهجوم «شخص مستقل لا ينتمي لأي جماعات إسلامية مسلحة مثل القاعدة، وإنما دافعه فقط الحنق لاستمرار العلاقات بين بلاده مع إسرائيل»، مستدلة على ذلك بأن من نفذ الهجوم لم يستخدم أسلحة متطورة، ولم يحاول أن يقتحم السفارة، «بما يعني أنه كان عملا فرديا لا تقف وراءه جهة ما».

ومع أنه ليس من المقبول القيام بأعمال تهدد الأمن الوطني وتروع السكان بهذا الشكل العشوائي، إلا أنه آن الأوان لتنفيذ الوعود السابقة لرئيس الجمهورية والاستجابة للمطالب الشعبية والسياسية بإعادة النظر في هذه العلاقة، خاصة بعد أن أصبح الموقف منها محل إجماع أحزاب المعارضة وأحزاب الأغلبية الحاكمة التي وصل الأمر بأحد زعمائها، وهو رئيس البرلمان الحالي، للدعوة علنا إلى إعادة النظر في هذه العلاقة «المشينة» حقا كما وصفها.

وكما قال سياسي موريتاني آخر «هما أمران مرفوضان: العنف والسفارة الإسرائيلية»، فمتى يتحول هذا الرفض إلى موقف عملي على أرض الواقع؟