المتتبع للحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة يلاحظ بوضوح تميزها عن حملتي الانتخابات الماضيتين في 2001ـ 2005 في الابتعاد عن الشعارات الخارجية والتركيز على ما هو داخلي في الولايات المتحدة، حيث لا نسمع أحداً من المرشحين يتحدث عن مكافحة الإرهاب الدولي ونشر الديمقراطية في مختلف أنحاء العالم.

بل بدا واضحاً تبرئ المرشحين جميعاً من الرئيس الحالي جورج بوش الابن، وحتى المرشح الجمهوري جون ماكين الذي أبدى تعاطفاً رمزياً مع الرئيس بوش فقد عبر عن ذلك باختصار شديد وبصعوبة جعلته يبدو وكأنه يدافع عن خطأ يخشى أن يكون له تأثير على حملته الانتخابية.

وكذلك النتائج المخيبة للآمال التي حققها المرشح الديمقراطي عمدة نيويورك السابق رودولف جولياني والتي أدت لانسحابه من السباق إنما جاءت لتعكس رفض الشعب الأميركي لكل من يذكرها بالإرهاب والحرب على الإرهاب، خاصة وأن جولياني لم يظهر اسمه إلا مرتبطاً بأحداث 11 سبتمبر 2001.

حتى الرئيس بوش نفسه بدا واضحاً في خطابه الأخير تراجعه عن معظم شعاراته التي كان يطلقها طيلة سنوات وجوده الماضية في البيت الأبيض عن مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية وتحرير الشعوب الأخرى من الأنظمة الاستبدادية، بل وجدناه حتى يتخلى عن تهديداته الحادة للدول الأخرى المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا وغيرها، وكأن الجميع يشعر بأنها كانت فترة معيبة وممتلئة بالأكاذيب التي لم يشهد لها الشعب الأميركي مثيلاً من قبل.

لقد ميزت روح التواضع والتصالح رسالة جورج بوش الأخيرة إلى الكونغرس عن كل سابقاتها السبع والتي ركز فيها بشكل واضح على الوضع داخل الولايات المتحدة. وقد بينت هذه الرسالة الأخيرة أن صاحب البيت الأبيض تنبه في آخر لحظات حكمه للاقتصاد الأميركي بعد أن خاب أمله بقدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء العالم.

ومن غير المرجح أن يتمكن الرئيس الحالي خلال ما تبقى من فترة صلاحياته من تسوية المشكلات الاقتصادية التي استفحلت نتيجة لأزمة سوق الإقراض العقاري والحمى التي اجتاحت سوق الأوراق المالية، أو مشكلة العراق التي صنعها هو بنفسه من توليفة من الأكاذيب والتلفيقات التي انكشفت قبل رحيله من البيت الأبيض.

ويرى معظم الأميركيين أن التركة التي يخلفها بوش تتلخص في إضعاف مواقع الولايات المتحدة على النطاق الدولي وتفاقم الأمراض الاقتصادية والإساءة إلى سمعة فكرة دمقرطة العالم طبقاً للوصفات الأميركية. فليس مصادفة أن المرشحين الرئيسيين عن الحزب الجمهوري يسعون بكل السبل الممكنة إلى الابتعاد عن صاحب البيت الأبيض الذي انخفض مؤشر شعبيته إلى 30 بالمئة فقط.

واحتل الاقتصاد مركز الصدارة في رسالة بوش الأخيرة شأنها شأن خطابه الرسمي الأول الذي ألقاه على أثر مراسم تنصيبه (والذي لم يعتبر شكلياً رسالة إلى الكونغرس). وقدم الرئيس فيه وصفة قديمة لمعالجة الأمراض الاقتصادية الحالية تتضمن تخفيف عبء الضرائب وتخفيض الفوائد على القروض.

ولكن النقاد يلومون بوش بأن وصفته هذه لا تعالج المرض وإنما تضاعفه، إذ بإمكان تخفيض الضرائب وتحفيز النشاط المالي والاستثماري عن طريق تخفيض الفائدة على القروض أن ينعشا الاقتصاد على المدى القريب ولكنهما على المدى البعيد يزيدان الخلل في الموازنة العمومية للدولة لكونهما يؤديان إلى رخص القروض وتراكم الديون، الأمر الذي سينتهي بانهيار حاد لا يمكن تفاديه.

وخلافاً للعقيدة الاقتصادية شهدت نظرية بوش للسياسة الخارجية تغيرات ملموسة بحيث أصبح نهجه السياسي الخارجي يحتوي على قدر أقل من الإيديولوجية وعلى قدر أكبر من الواقعية. وقد أكد خطاب الرئيس أن الانتماء الحزبي الذي يحدد إلى حد بعيد التعاطي مع المسائل الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لا يلعب مثل هذا الدور الملحوظ بالنسبة للسياسة الخارجية. إذ يمر الحد الفاصل على هذا الصعيد لا بين الجمهوريين والديمقراطيين وإنما بين الواقعيين والأيديولوجيين.

وهذا يعني أن بوش يستشعر جيداً ضعف موقف حزبه في الانتخابات القادمة فأراد أن يبرئ الحزب نفسه من الأخطاء التي وقعت طيلة السنوات السبع الماضية ويعتبرها أموراً شخصية تتعلق بمن قام بها وليس بالحزب الذي ينتمي إليه، وهي خدعة جديدة من الصعب أن تدخل لعقل الناخب الأميركي.

عندما تربع بوش الابن على سدة السلطة وصفوه بأنه «رجل براغماتي» يميل إلى الاتجاه الانعزالي. ولكن كل شيء تغير جذرياً بعد الهجوم الإرهابي في 11 سبتمبر والذي حمله على إدراك مدى وثاقة الصلة التي تربط أميركا بالعالم الخارجي. فقد أعلن بوش في رسالته السنوية عام 2002 أن «البلد يعيش حالة حرب» وأقبل على تعليل ضرورة شن عملية عسكرية في أفغانستان ضمن إطار مكافحة الإرهاب.

وكان الخط الرامي إلى اتخاذ خطوات من جانب واحد يتخلل أيضاً رسالتي بوش التاليتين عامي 2003 و2004 حيث قام الرئيس الأميركي أولاً بإثبات ضرورة شن الحملة العسكرية ضد العراق، ثم واصل الذود عن الحرب التي أشعلها في هذا البلد، وقد أقبلت الإدارة الأميركية عن سبق الإصرار والتعمد على تفكيك نظام الأمن الدولي القائم باعتباره لا ينفعهم بل يقيد أيديهم.

وبعد الانتصار الثاني في انتخابات الرئاسية صاغ بوش برنامجاً جديداً لـ «تحرير» و«دمقرطة» العالم ورد في رسالته إلى الكونغرس عام 2005، ومما دعا لصياغته الانتقاد المتزايد للحرب العراقية، وإذ بات واضحاً آنذاك أن صدام حسين لا يملك شيئاً من السلاح النووي، اخترع الرئيس الأميركي حجة جديدة لتبرير حملته العسكرية في شكل شعار مكافحة الاستبداد وإشاعة الديمقراطية في العراق لتكن نموذجاً يحتذى به بالنسبة لغيره من دول الشرق الأوسط التي كما يقول «لا تعرف الحرية».

وقد أعلن بوش إشاعة الحرية سلاحاً رئيسياً له في مكافحة الإرهاب. وهو لا يزال يتمسك بهذه الفكرة كلامياً مردداً أن دمقرطة البلدان «المحرومة من الحرية» وحدها قادرة على ضمان السلام الحقيقي لأن «الديمقراطيات لا تحارب بعضها الآخر»، وقد كانت مثل هذه الأفكار تتخلل رسالتيه إلى الكونغرس عامي 2006 و2007.

وقد كرر هذا الشعار في خطابه الأخير زاعماً بدعم الحرية «من كوبا وزيمبابوي إلى بيلاروسيا وميانمار» وكال الثناء أيضاً لجورجيا وأوكرانيا حيث «جرت انتخابات نزيهة وحرة».

ولكن إذا كان بوش قبل ذلك قد طرح أمام أميركا مهمة «تصفية الاستبداد» في العالم بأسره ففي الرسالة الأخيرة اكتفى بنداء متواضع إلى «نشر الأمل بالحرية».

أما المرشحون الجدد للرئاسة فقد اختاروا طريق السلامة بالابتعاد عن كافة الشعارات التي استخدمها بوش والتركيز على الشأن الداخلي الأميركي، الأمر الذي ينذر بانغلاق أميركي جديد عبر المحيط ولو من أجل تصحيح الأوضاع وترتيب الأوراق من جديد، خاصة وأن أوروبا نفسها آخذة تدريجياً في الابتعاد عن واشنطن أيضاً بسبب سياسات إدارة بوش الخارجية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني