السكونية في التاريخ تعني التخلف الشديد وعدم وجود الحراك الاجتماعي، وإن الإنسان قد توقف في المكان والزمان لا بل توقف الزمان، ويكون اليوم نسخة طبق الأصل عن الأمس والغد لا يختلف عنهما. والمعروف ان سنة الحياة هي الحركة الدائمة، حركة الكون ومجراته وسحابه وبحاره وشمسه وقمره، والكرة الأرضية، وهل السكونية موجودة وخاصة بزمن أو شعب من الشعوب ؟
نعم حتى لو لم تكن سنة الحياة ضد السكونية إلا أن عدم التقدم والتطور والنمو يُعد سكونية، وتاريخ العرب عبر العصور قد شهد هذه السكونية في بعض فتراته، وإذا شئنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إننا لم نكتف بالسكونية المفروضة علينا وإنما بالمساهمة فيها والمحافظة عليها بإبقاء الحال على ما هو عليه، وعدم الإحساس بالزمن والفعل والتغيير والتحديث.
بوعي منا أو دونه نعمل على صناعة التخلف مع الأسف الشديد. لا نختلف في أن هناك صعوداً وهبوطاً في رحلة الإنسان العربي عبر الزمان بفعل عوامل داخلية وخارجية، وكذلك بفعل الظروف والمتغيرات بيد أن الأمر أخطر من ذلك عندما يتوقف الزمن وفعل الإنسان فيه وهذا هو موضوع مقالنا هذا.
والسؤال هل يصل الأمر إلى حد أن تشكل السكونية ظاهرة في حياة المجتمع العربي، وإلى أي مدى تصدق نظرية التحدي والاستجابة التوينبية، وهل جاءت السكونية في فترات التحدي أم من خارج إطاره قبله أو بعده، وهل السكونية نقيسها بالمقارنة مع فترات نهوضنا أم بتطور الآخرين من حولنا، أم قياساً على طموحات شعوبنا التي لم تتحقق ؟
إنها أسئلة كثيرة والإجابة عليها محيّرة ومضطربة. قد يرى البعض بأن المرحلة التي يعيشونها هي حالة من السكون لأنهم لا يتعايشون معها أو رافضين لها، أو أن وعيهم وطموحاتهم تتجاوز الواقع في تلك المرحلة إلى مجتمع أفضل ينشدونه فيصفون الواقع بأنه سكوني.
ربما ذلك في السودان أو الصومال أو في دول أخرى عربية لكن مع ذلك قد يتبين لهم ولغيرهم فيما بعد بأنه على الرغم من التخلف الذي عاشه مجتمعهم ووصفوه بالسكونية أنه كان يعج ويزخر بتفاعل قواه واتجاهاته، ويخرج من بين أنقاض التخلف نمواً هنا أو هناك في هذا الجانب أو ذاك لم يكن مخططاً لنأخذ مثلاً أوضاع العرب في ظل الدولة العثمانية.
لقد كانت النخبة العربية تصفها بالتخلف والسكونية لكنه تبين أن إرهاصات النهضة واليقظة العربية وبدايات تكوينها قد حدثت في القرن التاسع عشر في الولايات العربية العثمانية وهذا قد ينطبق على واقعنا اليوم الذي يوصف في بعض جوانبه بأنه يعيش حالة من السكونية. ويرى آخرون بأن حركة التاريخ لا تتوقف، وإن إرهاصات التقدم تكمن في ظل التخلف حيث تبدأ حركة التنوير للتخلص منه.
وعلى الرغم من أن التاريخ يمثل وقائع وأحداث الماضي إلا أنه مؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في الحاضر لأن جذور المشكلات التي نعيشها اليوم تمتد في الماضي القريب والبعيد، وعلى الرغم من أن دراسة التاريخ تهدف إلى التقدم بالاستفادة من تجارب ودروس الماضي فإن تاريخ عدد من الشعوب في فترات معينة قد عاشت حالة من السكونية، ومنها شعوبنا العربية.
وحتى نبتعد عن تأثير ذاتية الإنسان الذي تحكم على شعوب في فترات تاريخية بالسكونية وهي قد لا تكون كذلك لأنه يختلف مع واقعها أو يقارن ذلك الواقع بما مضى أو بجمهورية أفلاطون التي يحلم بها لابد من تحديد العوامل والأسس التي يمكن من خلالها معرفة مدى الحالة السكونية في حياة مجتمع من المجتمعات.
أولاً: إن الفكر الذي يجب أن يقود الواقع لا جديد فيه لا بل قد توقف، وتراجع عما كان يحمل من إيجابيات في الماضي، ولم يتواءم أو يمتزج بالواقع.
ثانيا: إن ديناميكية الشعوب وترمومترها هو بقياس الوجود الفاعل للحراك الاجتماعي فيها فإذا غاب ذلك الحراك فإن السكونية هي البديل.
ثالثاً: من طبيعة الإنسان والزمان الحركة الدائمة، وإذا حدث ما يناقض ذلك فإن ذلك يعد دليلاً على السكونية في الحياة، والحركة المطلوبة باتجاه التقدم.
رابعاً: إذا بلغ التخلف مداه، وأطبق على حياة الشعوب في كل النواحي، وأصبحت المسافة الحضارية بينها وبين الشعوب المتقدمة تعد بعشرات أو مئات السنين فذلك يعني السكونية.
خامسا: إذا غلب تأثير الموروث على الواقع، وسيطر الماضي بقوة على الحاضر فإن ذلك يكون مؤشراً على السكونية على الرغم من ذلك التأثير الذي يصفه البعض بالبعث أو الإحياء التراثي، وهو في حقيقة الأمر هو ليس كذلك لأن الموروث يحمل الإيجابي والسلبي معاً، وما أشبه الليلة بالبارحة في حياة العرب المعاصرة.
سادساً: إذا ساد التخلف العلمي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، وانتشر الفساد الإداري والمالي والقيمي الأخلاقي فإن ذلك يكون دليلاً صارخاً على التخلف ومن ثم السكونية، وأيضاً قد يرى البعض في ذلك عكس ما ذهبنا إليه لكن نقول إن مثل تلك الحالة ستكون نتيجتها السكونية لأن حركة المجتمعات في صعودها لا تقاس بحركتيها نحو التخلف ولكن نحو التقدم، وعلينا أن نستفيد من تجارب التاريخ.
سابعاً: إذا غابت الإرادة والرؤية والإبداع غاب الاتجاه نحو التغيير، وإذا غاب التغيير والتحديث سادت السكونية، وهذه مسؤولية المثقفين والمفكرين أولاً.
ثامناً: إذا انتصرت قوى التخلف التي تسعى لفرملة مسيرة الشعوب والعود بها إلى الماضي بحجة الخوف على القيم المجتمعية أو المحافظة على الأصالة والتراث، وتراجعت أو هزمت قوى التقدم والتحديث فإن النتيجة ستكون سكونية تاريخية لا محالة.
تاسعاً: إذا فقد الإنسان في مجتمع قيمة الوقت ساعات وأياماً فإن ذلك يعد مؤشراً على السكونية في حياة الإنسان والمجتمع لأن الإحساس بقيمة الوقت واستمراره يعني السير في اتجاه التطور، ومع أن العرب هم أول من اخترع الساعة إلا أن إحساسهم بالوقت ضعيفاً، مع استثناءات للبعض في بعض الفترات التاريخية.
إن السكونية التاريخية ليست دائمة، وليست خاصة بشعب من الشعوب لكن العوامل التي سبق ذكرها دلائل على وجودها أو السير باتجاهها. إن العرب وهم يعيشون واقعهم المشحون بالتناقضات والصراعات والفساد وماضيهم السكوني عليهم أن ينفضوا عنهم غبار السكونية، وينتهوا من مرحلة سكونية طال أمدها، لكن لا يجب أن تقف عند حدود التمني على الرغم من أن التمني بداية الأمل.
لابد من مشروع للنهضة يحمله مفكرون يملكون أيديولوجية تعتمد على فكر جديد أو تجديد للفكر وإلا استمرار السكونية التاريخية التي ستتخللها كوارث متتالية لا سمح الله.
كاتب كويتي