من البديهي القول إن أحداث الشرق الأوسط تحدث عبثياً أو أنها بريئة عن نوايا اللاعبين في الشرق الأوسط سواء أكانوا لاعبين عرباً كباراً أم لاعبين إقليميين أم لاعبين من الغرب البعيد.

أحداث غزة الأخيرة بدءاً من الحصار الطويل المهلك وانتهاءً بكسر ذلك الجدار بين غزة ومصر من قبل شعب أهلكه الجوع والبرد ومهاترات المزايدين وقسوة المحتلين الملعونين. ولن نقف عند حصار غزة ولكن سنختار الوقوف عند الجدار المكسور بين مصر وغزة لأن هذا الجدار لم يكسر بفعل أيدي المحاصرين الفلسطينيين فحسب بل ان طرفاً آخر شعر انه محاصر أكثر من الغزاويين وهذا الطرف هو مصر. وبعبارة أخرى يبدو ان هنالك جداراً آخر كان قد بدأ بالنمو بين مصر والسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

مصر في السنتين الأخيرتين تجاوزت مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل الكثير من نقاط التقارب والانسجام التي كانت تجعل من الدور المصري في الساحة العربية واحداً من أهم الأدوار والركائز الغربية في المنطقة إلا ان هؤلاء الحلفاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة لم يدركوا ان مصر لديها خبرة سياسية عريقة واستقراءً عميقاً لتوازنات القوة في الشرق الأوسط وبالتالي فان خبرتها تلك تجعلها تقف طويلاً عند مخططات صارت لا تنطلق من منطلق المصالح المتبادلة بين العرب والقوى الكبرى بل انها تنطلق من منطلق المصلحة المنفرة بل والمضرة بوجود ومستقبل العرب.

زيارة بوش الأخيرة إلى المنطقة التي كانت مصر خاتمتها، علماً ان زيارة بوش لم تدم سوى ساعات معدودة ولم تتضمن أي نقاط مهمة سوى رسالة أميركية مستترة مفادها ان هناك فتوراً أميركياً حيال السياسة المصرية في المنطقة وهذا الفتور مرده ثلاث نقاط أساسية:

أولاً: حدوث التقارب المصري الإيراني في ذات الوقت الذي تحاول الولايات المتحدة فيه عزل إيران عن الشرق الأوسط خاصة، وبالتالي فان هذا التقارب غير المسبوق ترجم أميركياً بأنه تحدٍ من قبل مصر لإرادة الولايات المتحدة.

ثانياً: دور مصر في مرحلة الإعداد لمؤتمر أنابوليس وما بعد أنابوليس والذي تضمن التزاماً بالموقف العربي من الصراع العربي الإسرائيلي ومن عملية السلام ككل هذا الموقف لم يرق للسياسة الخارجية الأميركية وإسرائيل خاصة وان مصر كانت تعد من أهم الدول العربية التي تجسد فكرة الواقعية بالمفهوم الأميركي في التعامل مع قضية السلام في الشرق الأوسط والمفاوضات مع إسرائيل.

ثالثاً: إعلان مصر عن رغبتها في القيام بتجارب نووية لأغراض سلمية وبالتالي ان تمارس مصر حقها الطبيعي في امتلاك الطاقة النووية هذا الموقف اعتبرته الخارجية الأميركية تحدياً صارخاً للولايات المتحدة وحليفها الإقليمي المجاور لمصر إسرائيل ليس فقط لأن مصر سوف تفتح باباً ربما ستدخله دول عربية تعد معادية للولايات المتحدة بل وكذلك سوف تحرج موقف الولايات المتحدة في المجتمع الدولي الذي سوف يتهمها بانتهاج المعايير المزدوجة، ففي الوقت الذي تحرم ذلك حرمة قطعية على إيران فإنها تسكت عن ذلك مع حلفائها.

تحفظات السياسة الخارجية الأميركية على النقاط السابقة هي التي قادت العلاقات المصرية الأميركية إلى فتور ربما يتصاعد أحياناً إلى توتر وجدل، ولكن مصر في كثير من الأحيان تعمدت إغاظة الولايات المتحدة بكلمات أخرى ان التحفظات الأميركية الثلاثة السابقة يقابلها ثلاثة تحفظات مصرية حيال السياسة الخارجية الأميركية:

أولاً: اتهامات الولايات المتحدة العلنية لمصر بانتهاك حقوق الإنسان والحريات الصحافية والتلاعب بالانتخابات.

ثانياً: تجاهل الولايات المتحدة لملف المساعدات الاقتصادية لمصر والذي يعد أحد أهم الملفات في السياسة الخارجية المصرية.

ثالثاً: تجاوز الدور المصري في العديد من القضايا الحاسمة في الشرق الأوسط ومحاولة استبداله بأدوار فاعلين آخرين.

وبناءً عليه ننتهي إلى ان هنالك نقاط خلاف متقابلة بين مصر والولايات المتحدة صارت تبدو بوضوح من خلال أسلوب ولغة التخاطب التي باتت تستخدمها الخارجية المصرية سواء في الرد على التصريحات الأميركية أم الإسرائيلية وهي لغة غير مسبوقة لدى مصر التي تعد أبرز مراكز التحالف العربي مع الغرب.

وأحداث غزة دليل آخر على ان مصر باتت تشدد على انها قادرة على تغيير خطوط أدوارها سواء في قضية الصراع العربي الإسرائيلي أم في قضية لبنان بل وحتى قضية الصراع البارد بين الولايات المتحدة وإيران.

كاتبة عراقية