حدود الأمن العربي باتت مفتوحة على كل الاتجاهات، فقد انحسر غزو بلد لآخر، إلا ما جرى للعراق وأفغانستان، والصومال من قبل أثيوبيا، وفي ساحة عربية إسلامية، لكن حين نفتح الأفق الأوسع داخل الحيز الجغرافي لهذا العالم الكبير، لا نرى في الصور المنقولة فضائياً إلا السلاح والضحية، ورجالاً ملثمين يعلنون الشهادة والاستشهاد، وكأننا نشهد فيلماً خيالياً تلعب فيه براعة الخدعة الدور والمشاهد، لكننا أمام حاضر نراه على الأرض تحول الموضوع إلى فصل آخر يحتاج إلى تحليل هذه الشخصيات والعوامل التي لعبت فيها لتتحوّل من مسالمة إلى عنيفة، وبشكل غير مسبوق في عصرنا الحاضر.

تصوروا كيف يستغل مجرمون المختلات عقلياً بالعراق، في تلغيم أجسادهن ودفعهن إلى مواقع شعبية ثم تفجيرهن عن بعد، أي مبدأ وأخلاق إنسانية تجد في هذا تنفيذاً لوعد إلهي أو قهر لكافر، هو مسلم بالعقيدة وصافي النوايا ليكون الهدف لمغامرٍ يدعي امتلاك الحكمة، وتفسير الدين السمح والمتسامح على هواه.

هناك في الاتجاه الآخر، صورة مغايرة، فالفلسطينيون حتى لو أظهر بعضهم رجم إسرائيل بصواريخ غير قاتلة، فإن الاعتبارات النفسية تلعب دورها في موقف استشهادي حقيقي حين يدرك الفاعل أن الرد الإسرائيلي سيكون مميتاً ومدمراً، وأن المعنى أن حاجز الجدار لا يستطيع حجب عطاء هذا السلاح، وأن ما حدث في السفارة الإسرائيلية في موريتانيا، والعملية الاستشهادية في ديمونة، وهو الموقع الحساس الذي يقع فيه المفاعل النووي لإسرائيل، أيضاً يعدان عملاً مشروعاً قياساً لأي فعل آخر، لأنهما يستهدفان عدواً موغلاً في عدائيته وممارساته اللاأخلاقية، وهذا ما يفرق بين ما هو مشروع، ومرفوض في مثل هذه العمليات..

فقوى الإرهاب لم توجّه أسلحتها وأفعالها باتجاه إسرائيل أو مراكز تحركها، بل توجهها لسوق المتنبي خزينة الكتاب العراقي، أو سوق الصفافير والحمام، وأحياء يعيش أهلها بؤس الحياة، وهو ما يجري في كل بقعة عربية وإسلامية، عندما تحولت باكستان إلى ميدان حرب تماماً كما هي الحال في العراق وأفغانستان، والعديد من الدول المستهدفة..

كل ما يجري من إرهاب هل قهَرَ أميركا، أو فرَضَ سلاماً مع إسرائيل يتفق مع الطروحات العربية، هل أنقذ أفغانستان، أو أعاد لحمة الوحدة العربية في العراق، أم أن هذه الأفعال هي إضافة جديدة في سجل الانتحار العقلي والقصور في الوعي والتثقيف؟!

أيضاً ما هي الفوائد التي تنعكس في الحرب على الإسلام عندما نقدم هذه المشاهد للرأي العام الخارجي كنموذج يعطيهم فرضيات القول بأنه دين دموي، وغير حضاري، في وقت كانت المؤشرات تعطيه أحد أهم الأديان انتشاراً في عصر الفضاء وعالم الحواسيب والعولمة، لنجد الارتداد خطيراً ومكلفاً لنا مادياً ومعنوياً عندما نُحصر في بقاعنا كجنس غير قابل للاندماج في حضارة الإنسان ولنوضع في دوائر الخطر، ليمسخ الإرهابيون الصور الحقيقية لدين قويم ساد العالم بالعدل والحرية، ودور العقيدة المثالية في العدالة، وفرض الحقوق والواجبات؟..

كل ما يجري هومسؤولية إسلامية، وما لم تتغير الصورة إلى الأفضل، فسوف نكون دافعي الضرائب الدموية والمعنوية من أجسادنا وعقولنا..