أثبتت الأحداث الدموية الأخيرة ما كان يخشى الجميع حدوثه في لبنان، وهو أن الاحتقان الذي ساهم بعض السياسيين بتأجيجه في نفوس الشباب طوال الأشهر الماضية لن يُنبت أملا بتحقيق التغيير السياسي المنشود، بل ناراً ودماراً كبيرين، وربما أكثر من ذلك بكثير لا سمح الله.
لقد حدث للأسف ما كنّا نتوقعه في ظل سياسة الشحن المستمرة منذ فترة، وسقط مجددا شهداء في عمر الربيع كان من الممكن أن يكونوا وقودا للوطن في مرحلة تطوره وازدهاره اللاحقة، بدلا من أن يكونوا وقود السياسة المغامرة التي قرر بعض الزعماء تبنّيها تحت شعارات وأهداف مختلفة قد نتفق أو نختلف حولها، ضاربين بعرض الحائط كل القيم والأخلاق والمعتقدات.
ولا أخشى أبدا القول بأن ما جرى كان ترجمة واقعية لكل الكلام التحريضي الذي كان يطلقه السياسيون المتمترسون وراء شعاراتهم «المقدّسة»، غير القابلة للمسّ حسب اعتقادهم، وهم بالتالي يتحمّلون مسؤولية الدم الذي أُهدر في غير مكانه الصحيح، لأنهم وحدهم من كان يحرّض، ويدفع، ويتّهم الغير بالخيانة، في وقت بدا فيه الوطن بأمس الحاجة لكل أبنائه.
ولعلّ أخطر ما وصلت إليه الأمور في خضم هذه المأساة هو ما صدر عن هؤلاء السياسيين خلال اندلاع الأحداث الأخيرة وبعدها مباشرة، والذي كان حسب رأيي مرعباً ومثيراً للاشمئزاز بنسبة كبيرة جداً.
ففي الوقت الذي كان من المفترض فيه على هؤلاء السياسيين أن يتحلّوا بمسؤولية وشجاعة كبيرين لمواجهة الحقائق أمام الرأي العام بكافة تلاوينه، أطلّوا علينا بنفس العبارات المملّة التي لم تعد قادرة على اختراق آذاننا.
وبدلاً من أن يقفوا بشجاعة في مثل هذه الحالات الصعبة احتراما للشهداء الذين سقطوا من أجل شعاراتهم على الأقل، لم نحصل منهم للأسف إلا على تكرار روتيني لمشاهد وتصريحات سئمها العالم قبل اللبنانيين أنفسهم.
إنه الجبن إذن، يطل علينا مرة أخرى من خلال تلك السياسة التي أراقت الدماء البريئة، وكذلك من خلال المواقف التي صدرت لاحقاً بهدف «تهريب» أصحابها من أية مسؤولية قد تلقى على عاتقهم، وتحميلها لاحقا للطرف الآخر بكل جرأة (أو وقاحة على الأرجح؟).
ففي مثل هذه الحالات، يبدو من السهولة بمكان تحميل المسؤولية لأي طرف آخر، انطلاقا من حقيقة أن ذلك الطرف بات يصنّف، وفق منطقهم بالطبع، ضمن فئة الأعداء. واستنادا لهذه المعادلة سيكون من السهل طبعا امتصاص غضب الشارع من خلال تحويل التهمة إلى العدو المفترض.
وبغض النظر عن التباين القائم في تفسير أسباب ما جرى، فإن ما يجعل من الصراع اللبناني الحالي شيئا فريدا من نوعه هو تحوله، بقدرة القوى القابضة على روح البلاد، من الأطر الدستورية والديمقراطية المتعارف عليها، إلى مجرد «لعبة» لا يتوانى المشاركون فيها عن التضحية، إن لم أقل المتاجرة، بكل شيء خدمة لمصالحهم الحزبية الضيقة.
وانطلاقا من ذلك فإن كل شيء مسموح، وكل تحرك مرغوب، حتى لو اقتضى الأمر للأسف إراقة دماء بريئة مثلما حصل مؤخرا.
أمام هذه المعطيات لا بد من وضع الأمور في نصابها الصحيح خدمة للسلم الأهلي الذي تدّعي كافة الأطراف حرصها عليه. وقد يكون مفيدا أن يتحلّى الجميع بالجرأة المطلوبة لتحديد مكامن الخلل، وأسباب التوتر، بهدف نزع الفتيل الذي لا يزال مشتعلا بشكل واضح وبطريقة قد تودي بالبلاد إلى مواقع أخطر بكثير من تلك التي شهدناها مؤخرا.
وإذا سلّمنا بمنطق الأمور وفق ما سبق، سيكون مفيدا عندئذ الإشارة إلى مجموعة من المسبّبات الخطيرة التي يراها المسؤولون بوضوح حسب اعتقادي لكنهم يصرّون على التمسك بها أو غضّ النظر عنها خدمة لما يصفوه بمواقفهم المبدئية، والتي هي في واقع الأمر ترجمة لمصالح إقليمية أكثر من كونها تكريسا لأهداف وطنية لبنانية.
أولى هذه المسبّبات هو ما يؤكده المنطق القائل بأن أي احتقان في الشارع لا يؤدي حسب التجارب الكثيرة إلا إلى الانفجارات الأكبر، وأن سياسة التعبئة والتحريض لن تساهم بخلق الروح الثورية لدى من يتلقّاها، بل بتعزيز روح الكراهية والحقد ضد أبناء الوطن الواحد.
ولا أعتقد بأن ثمة من يعتقد في هذا العالم، أن الحقد والكراهية يساهمان ببناء أي وطن حقيقي، بل بتدميره وإزالته، أو على الأقل رهنه للمصالح الخارجية. إضافة لكل ذلك، فإن أي وضع شاذ على الأرض سيشكل مناسبة قيّمة لكل المصطادين في المياه العكرة، وبالتالي فإن فرص دخول أطراف ثالثة على خط المواجهة هي حقيقية وقائمة.
ولا شك بأن المسبب الآخر لكل الفوضى السياسية والأمنية التي نعيشها يوميا في لبنان، هو إصرار البعض على القضاء على الحياة الديمقراطية من خلال إمعانه في إغلاق المجلس النيابي، واعتباره أن في ذلك بطولة أو «شطارة» لبنانية ذو نكهة خاصة، مع أنها في واقع الأمر انعكاس لفشلها الواضح لعدم تمكّنها من التعاطي مع القضايا الوطنية الكبيرة من خلال الممارسة الديمقراطية الراقية التي يتطلع إليها معظم المواطنين اللبنانيين.
وإذا قارنّا كل ذلك بما يحدث على الخارطة السياسية والإعلامية من تعبئة وشحن مذهبي وطائفي وعقائدي، نصل لنتيجة مفادها أن التراشق الحاد بين الفرقاء المعنيين، والتسابق في استخدام الكلمات والألفاظ المبالِغة في فرز اللبنانيين بين معسكري «الأصدقاء» و«الأعداء»، لن يساهم إلا بتأجيج التوتر القائم وتوسيع الهوة التي لم يعد ممكنا جسرها بسهولة.
من هنا أجد في نفسي الشجاعة الكافية لأتوجه إلى المعارضة اللبنانية طالبا منها اتخاذ سلسلة من المواقف الشجاعة التي ستساهم بتعزيز أجواء الثقة والطمأنينة لدى المواطنين، وأبرزها العودة إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية من خلال فتح باب المجلس النيابي الذي لا تزال تمسك بأقفاله التي سيصيبها الصدأ على ما يبدو، والتخفيف من حدة الحقن والتوتر وبالتالي إزالة المظاهر الاستفزازية الموجودة في الشارع منذ أكثر من عام، والكف عن استخدام لغة التخوين ضد أبناء الوطن من المعسكر الآخر لأن من شأن ذلك أن يخفف من درجة الكراهية ضدهم.
وإضافة لذلك كلّه، فإن المعارضة الوطنية اللبنانية مطالبة بأن تتبنى موقفا حاسما حيال موضوع المحكمة الدولية التي ستنشأ قريباً، وأن يكون موقفها واضحا لا لبس فيه، لما لذلك من أهمية قصوى في تبديد مخاوف كثيرين من أبناء الوطن ممّن يرغبون بإحلال العدالة وإحقاق الحق.
وفي النهاية، فإن المطلوب من القوى الأمنية حاليا هو فتح تحقيق جدي بما جرى، احتراما لدماء الأبرياء، ولمن تبقى من أبناء الوطن.
كاتب لبناني