مثل العمل الأجنبي في الخليج العربي مفصل النشاط الاقتصادي والاجتماعي للكثير من المواقع في المنطقة، وانعقدت لغرضه الكثير من المنتديات والندوات والتي جاء بعضها «مندداً» به ومعلقاً عليه كل مصاحبات عمليات التنمية اللا متوازية والمتسارعة في الكثير من المواقع والقطاعات.

وقد مثلت اللقاءات والنقاشات المنعقدة في مدينة أبوظبي والتي كان محورها العمالة الأجنبية في الخليج العربي، أو فيما سمي بالاجتماع التشاوري حول الاستخدام الخارجي والعمالة التعاقدية للدول المرسلة والمستقبلة للعمالة في آسيا، تحولا مهما في الموقف من هذه العمالة وفي فهم ظروف عملها وقنوات استقدامها.

وقد انقسمت هذه الاجتماعات إلى: أولا اجتماعات ضمت وزراء العمل في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة لوزراء العمل أو الهجرة أو وزراء لرعايا المهاجرين أو من يمثلهم في أغلب الدول الآسيوية المصدرة للعمالة الآسيوية للمنطقة كالهند والباكستان وسريلانكا وبنغلادش وأندونيسيا والصين و..غيرها. حيث خرج عن هذه اللقاءات إعلان سمي بإعلان أبوظبي يحدد أوجه التعاون بين الدول المستوردة للعمالة والمصدرة لها.

وخرج المؤتمر بتعريف جديد للعمالة الأجنبية في المنطقة حيث تم تسميتها «بالعمالة التعاقدية المؤقتة»، وفي هذا فإن المصطلح ذاته يستحضر مفاهيم قانونية واجتماعية وسياسية ولربما ثقافية في وصفه الجديد للعمالة المهاجرة. فهي قد باتت عمالة مؤقتة، أي أن تأتي لمدد زمنية محددة ثم ترحل.

وهي عمالة تعاقدية بمعنى أن مدد بقائها ينتهي بانتهاء هذا التعاقد، وهي عمالة خارجية، بمعنى أن لا ينطبق عليها شروط العمالة المهاجرة فيما يتلق بحق الاستقرار وحقوق المواطنة.

وبهذا فإن التوجه الجديد لدول المنطقة هو أن تخضع العمالة الأجنبية فيها لدرجة عالية من التدوير وتحديدا تلك التي تقع في المستويات الدنيا من العمل، تفاديا للكثير مما قد يقال عن بعضا أو كل مصاحباتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكذلك تفاديا لأي التزامات دولية تقع على هذه الدول من جراء هذا الاستقدام وتحديدا ما يتعلق منها بحقوق البقاء والمواطنة، الأمر الذي يثير في هذه المنطقة الكثير من المخاوف والهواجس.

إما القسم الآخر من هذه الاجتماعات فقد جاء ذلك على شكل ملتقى لأطراف أوسع ذات علاقة بالعمالة الأجنبية في الخليج تمثلت فيها الأطراف الرسمية الممثلة في وزارات العمل والمهاجرين في دول الإرسال والاستقبال.

وفي العمال ومنظمات المجتمع المدني وبعضا من النقابات في الخليج ودول الإرسال الآسيوية وفي المنظمات الدولية والإقليمية ذات العلاقة مثل منظمة الهجرة الدولية ومنظمة العمل الدولية والمكتب التنفيذي لوزراء العمل والشؤون الاجتماعية في الخليج ومنظمة العمل العربية وخبراء العمل والهجرة الدوليين.

وباعتقادي فإن المؤتمر يعتبر نقطة تحول مهمة ليست في موقف دول الاستقبال من العمالة الأجنبية فحسب وإنما فيما أفصح عنه الكثير من المسؤولين في مداولات المؤتمر وتناقلته وسائل الإعلام المختلفة من رغبة في تحسين أوضاع العمالة الأجنبية في رتبها الدنيا من ناحية وفي ضبط قنوات استقدامها، وكذا ما عبر عنه المسؤولين من رغبة في إنهاء نظام الكفالة، لكونه نظام يتصف باللا إنسانية ويعرض العمالة الدنيا تحديدا لقدر غير عادي من الاستغلال.

بل وتعدى ذلك لإعطاء هذا النظام أوصاف تقارب أوصاف حال العمالة الزراعية في أوربا الإقطاعية أو حال استغلال العمالة الدنيا في المراحل الأولى من تاريخ أوربا الصناعية. بل أن مقاربة بعض الوزراء وتحديدا وزير العمل البحريني والعماني لحالة نظام الكفالة كشكل من أشكال العمل الجبري المأجور يعتبر تحولا مهما في المزاج والتوجه الرسمي.

وكلها باعتقادي أمور تمثل مؤشرات تغير غير عادي ليس في التوجه الرسمي من هذه العمل وضرورة تغيير أوضاعها، وإنما في المزاج العام الحاكم لهذا الوجود، فنظام الكفالة يبقى يمثل أحد الأنظمة التي وجهت إليه الكثير من الانتقادات الداخلية وتعرض لهجوم كبير من قبل الدول المصدرة للعمالة ومن قبل المنظمات الحقوقية العالمية.

وهو الأمر الذي بدا دافعا نحو القبول الرسمي بحقيقة إن هناك ضرورات قد تستدعي الدعوة نحو تغيير النظام، رغم ما يخضع له الطرف الرسمي من ضغوط شتى من أرباب العمل ومجتمع التجار. ورغم ما يثار من مخاوف حدوث حالة من حالات الفوضى إذا ما تم إلغاء أو إسقاط سريع وكامل للنظام، دون أن تكون هناك بدائل تدريجية له.

فمخاوف التجار وأرباب العمل قائمة على أساس إن إلغاء النظام، والذي يعني إلغاء الأطر التي يقوم عليها استقدام وبقاء العمالة الأجنبية سيدفع من ناحية نحو ارتفاع كبير في معدلات الأجور بفعل حركة الاستقطابات التي يمكن أن تخلقها عملية الإلغاء هذه.

وهو الأمر الذي يمكن أن تدفع نحو ارتفاع جديد في معدلات التضخم نتيجة لأي ارتفاع يمكن أن يحدثه ذلك في السلع والخدمات، كما إنه يمكن أن يؤدي إلى تعثر عمل وأداء بعض هذه الشركات نتيجة لغياب «الضابط» الإجرائي والقانوني الذي يدفع هذه العمالة للبقاء في هذه المؤسسات خصوصا إذا ما كانت أوضاعها من حيث الأجر وظروف العمل متدنية.

ويطرح أرباب العمل من ناحية أخرى إن الإلغاء السريع لذلك دون التدرج فيه ودون البحث عن ضوابط جديدة وفترة من التكيف معها، قد يدفع نحو حالة من الفوضى التي قد تكون مؤقتة أو هيكلية لسوق العمل المحلي أو الخليجي.

بمعنى أخر إن البحث عن بديل أو بدائل لنظام الكفالة غير الإنساني والذي قد يكون مر على تطبيقه في المنطقة قرابة القرن من الزمان قد يتطلب مرحلة انتقالية وتكيفية أو «أقلمة» اقتصادية وثقافية للحلول والبرامج المطروحة، وإن المطالبة بالإلغاء لا تنفي البحث والتفكير في البدائل الأخرى الممكنة.

ومهما يكن من أمر ذلك فإن حديثنا عن العمالة الأجنبية في منطقة الخليج العربي يشمل كم من البشر يتجاوز الثلاثة عشر مليونا، يحولون سنويا ما يقارب من التسعة والخمسون مليارا من الدولارات.

ويخضعون المنطقة لكم من المصاحبات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي لا يمكن تجاهلها أو الحديث المقتضب عنها. فالعمالة الأجنبية قد أصبحت تمثل الأساس الذي بدت تتشكل عليه ووفقه عملية التنمية، بل إنهم وبفعل تمفصلهم في شتى أشكال النشاط، باتوا يمثلون الهيكل الذي وفقه تقف أو تقوم عملية التنمية.

وهي عمالة يخضع بعضها لظروف اجتماعية ومعيشية صعبة وتحديدا تلك التي تقع في المستويات الدنيا من العمل والتي، ونتيجة لظروفها، فإنها قد تكون خاضعة في بعض القطاعات والمواقع والأقاليم لقدر من الاستغلال العياني أو المستتر.

من هنا جاء الإعلان الرسمي لهذا اللقاء مؤكدا لمسألة إن أي تغير في ظروف هذه العمالة قد يتطلب تظافرا لجهود دول الإرسال والاستقبال على حد سواء، والبحث عن مواقع الخلل والاستغلال الذي تتعرض له العمالة في الكثير من المواقع. فإلإستغلال الذي تتعرض له العمالة المهاجرة في العالم يبدأ في الكثير من الحالات في دول الإرسال على يد سماسرة تنظيم عمليات الهجرة للباحثين عن عمل في الدول الغنية.

وهي عملية يتداخل في الاتجار بها أطراف عدة في هذه الأقاليم، وفي دول الاستقبال، ترتقي في بعضها لأن تكون أو تشكل إحدى ظواهر أو حالات «الاتجار بالبشر» في العالم. وليس ببعيد عن ذلك ما سمي مؤخرا في بعض وسائل الإعلام الغربية بمشكلة «أطفال دارفور» في غرب السودان وهي عملية تداخلت في الترتيب لها أطراف ومنظمات وشخصيات وهمية وحقيقية بغية الاتجار في الأطفال، تحت غطاء العمل الخيري.

و يبقى هنا للإعلام دوره في الكشف عن كثير من هذه التجاوزات، ويبقى كذلك لمنظمات المجتمع المدني في دول الإرسال والاستقبال في العالم وللمنظمات الحقوقية الدولية دورها المهم في التأثير على متخذي القرار في العالم لتحسين ظروف المهاجرين من فقراء العالم الثالث.

وأخيرا وكما يحدث في الكثير من المجالات فإن الدول العربية وهي طرف مصدر للعمالة في الخليج، رغم ما قد يقال عن ضآلة عمالتها مقارنة بالعمالة الآسيوية، قد غابت عن هذا الحضور، كما هي غابت مقترحاتهم وهموم ومشكلات عمالتهم المهاجرة أو بالأحرى المؤقتة.

كاتب بحريني