في تجسيد بارع ونادر للحيطة والإدراك السليم، لم يبدأ أيٌ من أعضاء إدارة بوش في تبادل التهاني حيال ما يرد من أخبار سعيدة من العراق.
صحيح أن أعداد القتلى والمصابين من العراقيين والأميركيين في تراجع شديد على امتداد الأشهر الستة الماضية، وصحيح أن المسلحين السنة المنتميين لتنظيم القاعدة يبدو وأنهم يعانون حالة من التراجع الشديد، وبدأوا في إعادة النظر في استراتيجيتهم.
وصحيح أن ميليشيات مرتضى الصدر انسحبت بشكل كبير من الساحة بموجب الأوامر التي صدرت له في أغسطس الماضي، نعم إنها كلها أخبار جيدة ويجب الترحيب بها، غير أن الجميع في قيادتنا العسكرية وصولا إلى وزير الدفاع روبرت غيتس ومسؤولي البيت الأبيض جميعهم، يلتزمون الحرص البالغ ويتجنبون إقامة احتفالات لم يحن ميعادها بعد، وهم محقون في ذلك. وحتى نائب الرئيس ديك تشيني تجنب الإدلاء بأي تصريحات عن المسلحين الذين يعانون سكرات الموت.
سيكون من السهل الادعاء بأن الزيادة المؤقتة في عدد القوات الأميركية هي وحدها المسؤولة عما حدث من تراجع في وتيرة العنف في العراق. لكنه سيكون قولا خاطئا. لقد ساعدت الزيادة التي أدخلت على عدد القوات في تحقيق ما حدث من تراجع في مستوى العنف.
غير أن ما ساعد بشكل أكبر كان تغير التكتيكات والاستراتيجية الأميركية في العراق وهو الأمر الذي تأخر نحو أربعة أعوام ثم تم تنفيذه بالتزامن مع وصول الجنرال ديفيد يترايوس كقائد جديد للقوات الأميركية في العراق، غير أن الحقيقة هي أن تراجع العنف يرجع في الجانب الأكبر منه إلى أسباب داخلية تستعصي على فهم الأجانب من غير العراقيين، فنحن لا نفهم لماذا توقف مقتدى الصدر عن العمليات التي كان يقوم بها.
ولا نفهم كذلك لماذا قام مؤخرا بإرسال إشارات تفيد بأنه قد يمد الهدنة. لكن ما نعلمه هو أن الميليشيات التابعة له كانت في أوج فترة العنف مسؤولة عن مقتل أكثر من 60% من الضحايا الأميركيين في العراق.
نحن نعلم أن محافظة الأنبار لم تعد بين عشية وضحاها مقبرة جنود المارينز وذلك لأن شيوخ القبائل المحليين قد ضاقوا ذرعا بالمتطرفين الذين كانوا يمدونهم بالمأوى. ولكن عندما بدأ المسلحون في قتل الشيوخ أنفسهم وفرض فكرتهم على القانون، قاطعين رؤوس الحلاقين والنساء الذين لا ينصاعون إلى أوامرهم، فإنهم بذلك تجاوزوا الحد، وكان من السهل بعد ذلك أن يعطي شيوخ القبائل الأميركيين الضوء الأخضر للتعامل مع المتشددين.
الأهم من ذلك هو أن الشيوخ قرروا التوقف عن قتل الأميركيين وعدم المضي قدما في عملياتهم المسلحة. وقد امتنعوا عن الاشتراك في الحكومة المركزية العراقية والجيش والشرطة، التي يتكون معظم أفرادها من الشيعة.
غير أن هذا لم يكن يبشر بالخير من وجهة نظرهم في حال رحيل الأميركيين وقدوم الشيعة بأسلحتهم، ومن ثم قرروا إرسال أولادهم للانضمام إلى الجيش والشرطة.
ولكن عندما رفضتهم الحكومة قرروا القتال في صفوف الأميركيين والحصول على بنادق وبعض التدريب، وتم تطبيق هذا النموذج، الذي كان ضد رغبة الحكومة المركزية الشيعية التي يدعمها الأميركيون، بشكل ناجح في المدن التي كانت في فترة من الفترات تمثل بقع عنف ملتهبة ومقابر للجنود الأميركيين.
إذاً دعنا الآن نحلل ما جرى بدقة. إن القرارات الرئيسية التي أدت إلى تقليص حدة العنف والقتل في العراق لم تؤخذ من جانبنا ولا من جانب الحكومة المركزية في بغداد، وإنما من قبل مجموعة من الناس ـ شيعة وسنة ـ كانوا يقتلون القوات الأميركية فقط منذ ستة أشهر.
الظاهر من الأمر هو أن ما يجري على الساحة السياسية العراقية هو شأن محلي لا يستطيع أحد اختراقه ولا فهمه أو إدراكه، ويظهر أيضا من المعطيات أن الحكومة الوطنية العراقية ستفعل أي شيء لتلبية مطالب واشنطن اللازمة لتحقيق مصالحة وطنية من وجهة نظر الأميركيين.
ومن ثم فإن هناك أسبابا كثيرة تفسر تجنب القادة الأميركيين لإقامة أي احتفالات وإطلاق عبارات مثل «المهمة أنجزت» أو «المخاض الأخير» واللجوء بدلا من ذلك إلى انتظار ما سيحدث. ولو كان الرئيس بوش قد علم في 2003 أن العراق أكثر صعوبة من علم الجبر في تعقيداته، لكان بوسعنا تجنب الأمر برمته.