العنف السياسي الدموي، ليس غريباً عن إفريقيا، رافق مسيرة ما بعد الاستقلال، للكثير من بلدانها. أصابها بنزيف طويل ومكلف، موارد هائلة بشرية ومادية، تبددت واستنزفت، بلدان تقسمت وانشطرت، العملية السياسية أصيبت بأعطاب بالغة؛ لا تزال مضاعفاتها وذيولها تجرجر وتتجدد حتى اللحظة.

آخر النماذج عكسته تطورات كينيا وتشاد. في الأولى، انفجر الصراع قبل أيام؛ في أعقاب الانتخابات الرئاسية، الاعتراض من جانب المعارضة، على النتائج بتهمة التزوير سرعان ما تحول إلى اقتتال راحت دائرته تتوسع حتى بدأ يتحول إلى مجازر بالسلاح الأبيض والحصيلة حتى الآن تدنو من الألف قتيل.

وأعمال العنف لا تزال مستمرة وتهدد بالمزيد من سفك الدماء ومحاولات وقف النزيف لم يكتب لها النجاح أو الصمود، حتى وساطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، لم تفلح، على الأقل حتى اللحظة، في وقف العنف؛ بالرغم من موافقة الطرفين على الصيغة التي قدمها.

الآن ترتفع المطالبات بنشر قوات حفظ سلام افريقية. صار على إفريقيا إنشاء قوة عسكرية قارية، لهذا الغرض؛ الى جانب جيوشها الوطنية الخاصة، والنزاعات المتجولة في معظم أقطارها باتت تتطلب مثل هذه القوة اللازمة للفصل بين المتقاتلين المحليين.

وفيما النزف يتواصل في كينيا، اندلع القتال في تشاد، بين السلطة وخصومها ووصلت المواجهات إلى تخوم العاصمة، نجامينا الأمر الذي أطلق عملية نزوح واسعة؛ فضلا عن سقوط مئات الجرحى في العاصمة التي شهدت تراشقاً عنيفاً بالأسلحة الثقيلة والمروحيات. والعمليات مستمرة، وهكذا الخسائر واللااستقرار.

أيضاً سارع الاتحاد الإفريقي ودعا إلى «وقف فوري للهجمات المسلحة والامتناع عن القيام بأي أعمال عنف يمكن ان تلحق الأذى بالمدنيين الأبرياء» لقد دفع هؤلاء عبر عقود، مئات آلاف الضحايا بل الملايين منهم، جراء النزاعات المختلفة التي اجتاحت القارة والتي لا تزال بقاياها مشتعلة من الصحراء الغربية إلى الصومال إلى دارفور، وفي الأيام الأخيرة انضمت إلى القائمة، كينيا وتشاد سيناريو يكرر نفسه أو يتوالد؛ بحيث لا يبارح القارة الجريحة.

وهو يتجدد لأن الضمانات المانعة ليست قائمة، وثقافة الحوار لا تزال غريبة، أو في أحسن الأحوال تعاني من الضمور وآليات الانتقال السلمي للسلطة غير معمول بها عند توفرها، واللجوء إلى القوة وإطلاق العنان للغرائز العصبية؛ بقي في أكثر الحالات الوسيلة المعتمدة، ولذلك يتكرر المشهد المفجع الذي يواصل استنزاف الساحات المشتعلة، في القارة؛ ولا حلول تتعدى الاستعانة بقوات افريقية لحفظ السلام.

إفريقيا لا تقوى على معالجة قضاياها والتغلب على معضلاتها ومشاكلها وصراعاتها الداخلية، عن طريق قوات افريقية؛ لحفظ السلام، الحلقة المفرغة هي ان السلام أصلاً غير قائم، في معظم الحالات، أو ان بنيته هشة ذلك ان صمامات أمانه مفقودة. لذلك ينفجر العنف بسرعة، ولا يعود وقفه ميسوراً إلا بعد حين، وبعد أن تكون النار قد أكلت الأخضر واليابس.

ومن دون توفير هذه الصمامات والآليات، تبقى الأوضاع محكومة بهذه الدّوامة القاتلة. الاستعمار ترك في القارة كل شيء، ما عداها، والآن ليس هناك غيرها من عليه القيام بهذه المهمة الحيوية؛ التي لا مخرج من دونها.