بدأت الخطوات العملية لتعديل الدستور الجزائري حيث كشفت مصادر جزائرية مطلعة أن المشروع الرئاسي لتعديل الدستور الجزائري الحالي سيعرض في دورة طارئة للبرلمان قريبا على أن يطرح المشروع على الشعب في استفتاء عام قبل نهاية شهر يونيو القادم.

وقالت هذه المصادر إن مشروع التعديل الدستوري يهدف إلى فتح فترات الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية وعدم قصرها على فترتين فقط مع مراجعة نمط الحكم، رئاسي أو برلماني، وإضفاء المزيد من التناسق بين مؤسسات الدولة وعدم تضارب اختصاصاتها.

وأوضحت المصادر أنه رغم أن رئيس الجمهورية يملك الصلاحيات الدستورية للمبادرة بتعديل الدستور إلا أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فضل المرور به عبر نواب الشعب الذين سيجتمعون في جلسة عامة واحدة ثم طرحه في استفتاء شعبي بعد ذلك بهدف إضفاء المزيد من الشفافية على المشروع نظرا لأهميته في مسار تطور الدولة الجزائرية كما كان الشأن بالنسبة لميثاق السلم والمصالحة الوطنية.

وأشارت المصادر إلى أن خروج الرئيس بوتفليقة من فترة النقاهة وموافقة فريقه الطبي له على العودة إلى ممارسة نشاطه العادي كان وراء تحرك قوى المجتمع المدني والسياسي في الجزائر باتجاه تفعيل مطلب تعديل الدستور وترشيح الرئيس لفترة ثالثة تبدأ في ربيع 2009.

وبالطبع فان الرئيس بوتفليقة يستطيع تمرير هذه التعديلات بالنظر إلى الأغلبية التي يتمتع بها ما يطلق مسمى أحزاب التحالف الرئاسي داخل البرلمان. وبالنظر إلى ان دعوة تعديل الدستور جاءت في البداية من حزب جبهة التحرير الوطني الذي يعد صاحب الوجود الأكبر في البرلمان.

لكن هذا الأمر لا يمنع من القول ان المواءمة السياسية لعملية التعديلات الدستورية ليست في صالحها بالنظر إلى ان هناك قوى داخل الحكم ترفضها وبالنظر إلى أنها سوف تخل بالتوازن السياسي الهش الحالي في الجزائر وهو التوازن الذي أدى إلى تهدئة الأزمة الجزائرية وجعلها في حدودها الدنيا في الوقت الراهن.

من هنا فان هناك مهتمين بالشأن الجزائري يرون أن كل ما تحقق خلال ولايتي بوتفليقة الأولى والثانية من نتائج على صعيد تخفيف حدة العنف يمكن أن يتقوض في المستقبل إذا ما أصر الرئيس على المضي قدما في تعديلاته لأنه يعود بالجزائر مرة أخرى إلى الحكم التسلطي ولكن من دون قاعدة شعبية للنظام لان القاعدة السياسية الحالية لا يمكن ترجمتها إلى قاعدة شعبية مستقرة.

وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة غاية في الأهمية هي الارتباط بين العمليات الإرهابية التي شهدتها الجزائر خلال السنتين الماضيتين والتي ارتبطت بتطورات التعديلات الدستورية .

حيث ان هناك من ربط بين تفجيرات كل من باتنة ودلس والعمليات التي استهدفت كلا من مقر المحكمة الدستورية ومقر المفوضية العليا للاجئين بالجزائر وبين تصريحات لمسؤولين في الحكومة الجزائرية حول التعديلات مثل الانتهاء منها أو عرض الصياغة النهائية على رئيس الجمهورية وغيرها من التصريحات ذات الصلة بها، وهو الأمر الذي يعنى أن هناك أجنحة داخل النظام غير راضية عن التعديلات وهى تتغافل عن التصدي لمثل هذه العمليات حتى يبدو للنظام خطورتها على التوازن الهش الحالي في الجزائر.

وبالطبع هناك قوى سياسية جزائرية غير راضية عن أداء النظام يجب النظر إليها بعين الاعتبار في مقدمتها القوى الامازيغية الأمر الذي قد يفتح الباب أمام صور من التمرد لهذه الأقلية خاصة وان الفترة الماضية شهدت صعود للقوى الانفصالية داخل الأقلية الامازيغية الأمر الذي يعنى أن سيناريو التوتر الطائفي في طريقه إلى الصعود مرة أخرى بالجزائر.

وإذا ما أضفنا إليه أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي لم تبد أي موقف من التعديلات الدستورية حتى الآن، غير راضية على سلوك النظام إزاء عناصرها الذين ألقوا بالسلاح ولكن من دون إعادة إدماجهم في المجتمع حسبما يشير قانون الوئام المدني، لتصورنا الخطر الذي يمكن أن تواجهه الجزائر في حالة المضي قدما في هذه التعديلات من دون النظر إلى تأثيرها على التوازن السياسي القائم هناك، لأمكنا التأكد من أن هذه التعديلات يمكن أن تفتح الباب أمام توتر سياسي جديد لا تستطيع الجزائر أن تتحمله في الوقت الراهن.

ويبدو من مسار الأحداث التي تشهدها الجزائر أن مؤسسة الرئاسة تعتمد فقط على ما لديها من أغلبية داخل البرلمان ومن سيطرتها على وسائل الأعلام متصورة أنها تستطيع من خلال هاتين الأداتين أن تمضى قدما وبنجاح في طريق تعديل الدستور، من هنا فهي لم تجر أي مفاوضات مع القوى السياسية الأخرى .

ولم تسع إلى استرضائها أو إعطائها أي مزايا حالية أو مستقبلية حتى توافق على التعديلات، وهذا الأمر يؤكد سير النظام في اتجاه الدولة التسلطية، بما يعنى أن الجزائر بهذه التعديلات سوف تتراجع عن تجربتها الديمقراطية على عكس ما يروجه أنصار هذه التعديلات في الوقت الراهن من أنها سوف توسع من هذه التجربة.

وإذا كانت كبرى دلالات عملية التعديلات الدستورية تتمثل في أنها أكدت استقرار النظام أو ثقة النظام في استقراره في الوقت الراهن، فهي في نفس الوقت لا تخلو من مخاطر عديدة قد تفوق هذه الدلالة الوحيدة، فكبرى المخاطر هو أننا أمام شروط جديدة لإعادة إنتاج الأزمة الجزائرية.

وكان على النظام لكي يبتعد عن هذه الحالة أن يبحث لنفسه عن توافقات وصفقات مع القوى السياسية المختلفة سواء تلك التي تعمل من داخل النظام أم من خارجه، ن ولكن ذلك لم يحدث بما يؤكد إمكانية أن تحمل هذه التعديلات خطورة ليس فقط على النظام ولكن على الجزائر ككل.

كاتب مصري