نتفق مع المثل القائل: من كانت لديه حيلة فلْيحتلْ، وإن كانت اليوم الحيلة أرقى مما نتصور كما يعرضها جيمس سكوت في كتابه «المقاومة بالحيلة» فهناك تحايل متنوع هذه الأيام للمفلسين والضعفاء والمحبطين والمنسيين عندما يغادرهم الوقت وتبدأ أضواء الشهرة والنجومية تخفت بالتدريج، فما عليهم إلا تحريك ما يمكن تحريكه بشتى السبل.
النجومية وتضخم الأنا صارا ظاهرة متفشية بين المشاهير الذين اهترأت أجسادهم وحياتهم ومكانتهم مثلما هي نجومية السياسيين، حتى وان كانوا في سدة السلطة، فهم لا يقوون على ابتعاد الشاشة أو عدسات التصوير عنهم لمدة أسبوع، لهذا يسعون لإثارة الغبار أو خلق ضوضاء وزعيق سياسي بل وكل ما هو مثال وقريب من مثلنا الشعبي. (خولف تذكر)، المهم أن يتساءل الناس ما الذي يريده هذا الشخص، الزعيم والمزعوم معا أو النجم المقبور أو الذي صارت ملفاته مغبرة ومنسية؟
وبسرعة نكتشف أن مرض الأنا ارتفعت حمى حرارته في ذلك الشهر أو الأسبوع، وعليه أن يفتش عن صحافي صغير أو حدث مثير لكي يقرع جرس الكنائس الصغيرة في الريف النائي، فمن هناك يصطاد الصحافيين الصغار والمدعوين لجلسة الأنس والعشاء الفاخر والهدايا، لكي تنتهي بمقابلة عظيمة مع شخصه، والتي فقدت أسهمها في البورصة والإعلان السياسي والرياضي والفني. ومع ذلك يصبح الحدث المعد سلفا لديهم خبطة صحافية.
بهذه المضاحك والمهازل يروج بعض أنواع الإعلام قصصا وأحداثا مثيرة للتساؤل كما هي رغبة مارادونا في أحد المرات لقاء الرئيس الإيراني احمدي نجاد، لكي تكتمل ثلاثية النغمة الموسيقية في عالم السياسة، ولكي يكون مارادونا بطل الترويكا الكروي حتى الآن في لقاء الرؤساء، وكأنها لدى البعض المهووس بهواية جمع طوابع الرؤساء وأحذية النجوم السينمائيين وعارضات الأزياء، أما مارادونا فلديه بضاعته الرخيصة الثمن كفانيلته، وما عليه إلا ختم وتوقيع نسخ من فانيلاته وتوزيعها، بل ولم يسأل أحد فينا كم نسخة طبع مارادونا من فانيلاته؟
فعلى الأقل استثمار الشهرة حدث مزاجي ومفيد حتى الآن، فهل هو طور سياسي ونفسي جديد لمارادونا في تلك الفترة؟ كرغبته الالتقاء بنجاد أم مزاج خلقته الصدفة أم هواية تخلقها شخصية مصابة بتقلبات السلوك من مدمن للمخدرات والكوكايين لأكثر من عشرين عاما إلى جانب كونه مصابا بالكحولية بالإضافة إلى انه أصبح مدمنا للشهرة بلقاء الزعماء!.
بالأمس كان مارادونا يعالج في كوبا بالمجان لمدة أربع سنوات متتالية بهدف الخروج من أزمة مستفحلة نفسية ومرضية تلاحقه، غير انه وفر على نفسه مئات الدولارات، كان ينبغي صرفها على مصحات ساو باولو البرازيلية وسويسرا فيما لو جلس في مصح من مصحات الرأسمالية.
وبدلا من العلاج المجاني وصحبة الرئيس الكوبي، حيث يستفيد كل طرف من الآخر بنجومية تتضاءل وتخفت، وان كانت نقاوة الرئيس كاسترو تختلف عن طور مغامر كروي، جمعتهما رغبة واحدة هي تصريحهما المشترك ضد الإمبريالية الأميركية وكراهيتهما للرئيس بوش.
وبما أن العلاقة الكوبية مفيدة إعلاميا لشافيز وكاسترو فإن مارادونا مفيد للاثنين إعلاميا مثلما يستفيد الاثنان لورقة اللاعب المتقلب في المزاج والسلوك، فصار شافيز يعيد إنتاج التجربة الكوبية مع المشاهير، ولكن ربما بمصاريف أكثر تحت حجج الهجوم على الإمبريالية.
واحتضان المشاهير لمجرد تصريحات سريعة يتلفظ بها مارادونا في المنتديات الرياضية أو بين حفلات عابرة متلألئة بسهر النساء والكحول حين قال في احدى المرات انه يحب الرئيس الفنزويلي شافيز، وانه يرغب إضافة وشم على جسمه يحمل صورة وجه شافيز، فهل نحن بحاجة إلى تعليق لمثل تلك التصريحات الصبيانية لواحد من أكبر نجوم الكرة في القرن المنصرم؟!.
دون شك تصريحات مارادونا «الشعبوية» تدغدغ عاطفة شافيز المولع بتلك الدعائية، وإلا لما رأيناه لاحقاً مع نعومي كامبل عارضة الأزياء، غير أن ذلك لا يحقق له رصيداً سياسياً بصورة مباشرة، لذلك منحته واسطته في اعتقال شخصيات مختطفة من المجموعات اليسارية في كولومبيا رصيدا سياسيا في الداخل ودعاية أكثر شعبية في الشارع السياسي في أميركا اللاتينية.
حيث العالم هناك مصاب بحمى «ظاهرة الشعبوية» بسبب الفقر المدقع والثراء المتناهي من جانب آخر، وبحاجة إلى مسكنات سياسية واجتماعية تخفف من وطأة بؤسه، ولن تكون إلا شحنات تلك الدعائية التي لا توزع الخبز بين الناس بشكل عادل في كل الحالات وفي جميع الأحوال!
ولكن لم يسأل أحد ما هو المبلغ المدفوع للذين تفاوضوا مع الرئيس مقابل ذلك؟. لن نتوقع أحدا من الطرفين يعلن تلك الحقيقة، إذ سيبدو الجميع راهبا لوجه الله. اليوم يتحفنا مارادونا وهو يعرض نفسه ورغبته كرسالة سياسية ونجومية للرئيس الإيراني لعل نجاد يلتقطها ويستثمرها سياسيا بدعوة اللاعب الأرجنتيني إلى الجمهورية الإسلامية.
وتستقبله الجماهير الإيرانية الشابة في شوارع طهران وهو بصحبة الرئيس في سيارته المكشوفة، فربما يتكسب اللاعب بعض الهدايا ويحظى بنجومية اللقاء والتغطية الصحافية، وإلا لماذا قال انه «يساند شعب إيران وهو معه بكل قلبه» بينما لا يلتفت المشاهير للبلدان الأخرى والشخصيات السياسية الأقل دراماتيكية فوق المسرح السياسي.
ما فعله مارادونا مؤخراً بتقديم فانيلته للدبلوماسي الإيراني في بوينس ايرس ليست إلا خطوة أولى ـ ربما ـ لترتيب يتعدى الرغبة، حيث يرى كل جانب في لعبته الشخصية بدعة سياسية جديدة، هي تبادل المنافع.. تتخطى تبادل الفانيلات والهدايا!.
ولولا قدم مارادونا الذهبية سابقا لما كان أكثر من شاب بائس منسي في أحياء بوينس آيرس الفقيرة، تآكلت موهبة القدمين مع الوقت في معرفة طريق المرمى والتهديف، ولكن الذهنية النفعية والمصلحية تتواصل في متاجرتها برغبة انبعاث وديمومة النجومية. المهم البحث عن عدو مشترك بأي ثمن لنجوم في الرياضة والسياسة والأدب والفن. أليس حقا شر البلية ما يضحك حين يختلط الحابل بالنابل؟! ليكون حصاد العام الإعلامي وأحداثه المثيرة المنصرمة تصريح مجنون لرغبة أكثر جنونا تدعونا للسخرية.
في النهاية تذبل حياتنا بالتدريج فتذبل معها مواهبنا وتتآكل كل القدرات، ولكن جشع المال ومرض النجومية قد يصاحبنا حتى أيامنا الأخيرة، مارادونا واحد من أولئك المرضى بالنجومية لكونه ما عاد يمتلك إلا تاريخ قدميه الذهبيتين فبات يتاجر بهما سياسيا بعلانية.
كاتب بحريني