الفارق بين الدول المتقدمة والمتخلفة يقوم على التنظيم والإنتاج والسباق على الاكتشافات والاختراعات والإيمان بجدوى العمل ونشر الحريات والتقيد بالدساتير، أو بمعنى أشمل الركض من أجل السيطرة على تنمية آفاق التقدم..
في العالم الثالث هناك النقيض، فالشعوب تتقاتل إما باسم الدين والذي تعطيه كل فئة تفسيراً يخدم توجهاتها، أو تعليل الخصومات بمبدأ ديمومتها، بينما ثرواتها تنسحب إلى الخارج لتغذي عجلة الزراعة والصناعة في العالم المتقدم، في المقابل نرى وكأن هناك عودة للصراعات البدائية، عندما نشهد كيف أن بلداً مثل كينيا عاش سلاماً اجتماعياً، ونظاماً يعد متقدماً على دول أفريقية، ينزلق إلى القتال القبلي، ومثله تشاد التي تقع على حواف دول تختلط معها في تشابك قبلي وحدودي، أديا إلى حروب ونزاعات، وهذا النوع من الحروب يؤكد أن بنية التخلف تأتي من الإنسان، إذ حتى لو وجد رؤساء ومديرو إدارات على قدر من الكفاءة العالية في التعليم والتخصص، تبقى روح القبيلة متقدمة على ما يفترض أنه العلم والثقافة يهذبان الشخصية، ويرتفعان بها إلى المسافة التي تحقق انتشار المعرفة وتطويع القدرات باتجاه التنمية ورفع مستوى الإنسان الثقافي والعلمي ليكون أداة إنتاج بدلاً من جندي في حروب التخلف..
في أوروبا وأمريكا وآسيا تقوم المنافسة على السوق العالمي ونجد كفاءة التعليم عندما يحشد كل بلد قدرات جديدة من المهندسين والأطباء والعلماء والمهنيين يدخلهم نطاق العمل، صارت المؤشر الأساسي لخلق وظائف متقدمة تديرها عقول حديثة تلائم مستجدات البحث العلمي وتوظيفه في حلقات النشاط العام..
فالكل مثلاً يراقب كيف تتنافس شركات صناعة الطائرات في أوروبا وأمريكا بما يشبه الحرب بين "إيرباص" و"بوينغ" وإنتاج البرمجيات والحواسيب وصناعة الدواء، وغزو الفضاء، بينما العالم الثالث يدور في فراغه المعهود، تصنيف للمجتمع الواحد، والمميز بأعراقه وأرومته، على الآخر الأدنى منه، أو المتمذهب سابقاً بالاشتراكية، والليبرالية في معاداة من يُطلق عليهم الامبرياليون الرجعيون، ثم نصل إلى الحلقات الأخيرة في نزاع الأضداد على فكر يحكمه الماضي بعلاقات أكثر غرابة عندما يُفسر التاريخ وفقاً لمفاهيم قرون مضت، حسمَ العالم المتقدم صراعه معها، بالمحاكمات العقية، ليبني الرفض والقبول على أبجديات ما يصلح للعصر، وما يبقى أثراً قابلاً للدراسة والتحليل وفقاً لسلفية تاريخية تبقى في ذاكرة الأجيال علماً للماضي الذي لا تجوز إعادته بكليته وتخلفه..
كل من دخلوا سلك المنافسة من خلال مفاهيم عصرية، توجهوا للمدرسة والجامعة والمعهد، وأطلقوا العنان لمن يملك الكفاءة العلمية والإدارية، وكان لتحقيق التقدم الاقتصادي عمل منظم تجاوز التلقين، وعُقد الروتين، أو بناء المجتمع على طبقية اجتماعية أو قبلية تحتل المراكز الحساسة بدون شروط الكفاءة المطلوبة، وهذا لم يعد سراً أو تنجيماً طالما النموذج موجود في كل دول العام المتقدم، لكن الفاصل بين التخلف والتقدم مشكلة مجتمعات تديرها قيادات جاءت من خلف ستار الحياة، وهذه الأزمة سبب مباشر في تصنيف من يعتمد على قدراته ويوظف إرادته، وبين من تأسره تقاليد الماضي وعقدة التخلف..
