لم تأت الدراسة التي نشرتها منظمتان أميركيتان مستقلتان الأربعاء 23 ـ 1 ـ 2008، وهي بعنوان «حجج واهية» تعدد التصريحات «الخاطئة» للرئيس الأميركي جورج بوش ومعاونيه بين 2001 و2003 حول الخطر الذي يمثله العراق، إلا كوثيقة أخرى تضاف إلى جملة كبيرة من الوثائق التي تدين الإدارة الأميركية بصناعة الأكاذيب والتلفيقات التي مهدت فيها لغزوها العراق، وفي مقدمة تلك الأكاذيب ما أطلقوا عليه»الحرب على الإرهاب».

ولعل هذه الدراسة ـ الوثيقة التي تأتي وان متأخرة جدا بسنوات عديدة على الغزو للعراق، إلا أنها تنطوي أيضاً على أهمية بالغة كونها صادرة عن هيئات مدنية أميركية ليس لها علاقة مصلحية مع الإدارة الأميركية.

فقد قال واضعو الدراسة من مركز «من أجل السلامة العامة» وصندوق «من أجل صحافة مستقلة «ان الرئيس بوش وسبعة مسؤولين كبار في الإدارة بينهم نائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي (انذاك) كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفلد ادلوا ـ فبركوا ـ ب935 تصريحا خاطئا على الأقل خلال السنتين اللتين تلتا 11 سبتمبر 2001 حول التهديد الذي يشكله العراق، برئاسة صدام حسين على الأمن القومي الأميركي».

وأوردت الدراسة خطابا لديك تشيني في أغسطس 2002 قال فيه «لا يوجد شك حول امتلاك صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل»، فيما أعلن بوش في سبتمبر 2002 في كلمته الإذاعية الأسبوعية «إن النظام العراقي يمتلك أسلحة بيولوجية وكيميائية

وأعاد بناء منشآت لصنع المزيد منها ويمكنه بحسب الحكومة البريطانية ان يشن هجوما كيميائيا أو بيولوجيا في غضون 45 دقيقة، ان هذا النظام يسعى إلى امتلاك القنبلة النووية ويمكنه صنع واحدة خلال سنة باستخدام مواد انشطارية».

وفي هذه المسألة تحديدا ـ أسلحة الدمار الشامل العراقية ـ كان تقرير «معهد كارنغي الأميركي «قد أكد في وقت سابق «ان الإدارة الأميركية لجأت إلى الخداع والتضليل في قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية»، ولذلك ـ إذا كانت «الحرب على العراق قامت على الأكاذيب «وفق التقرير أعلاه وكما أعلن أيضاً الرئيس الأميركي الأسبق كارتر،

وإذا كانت ماكينة وأجهزة ولجان وهيئات البيت الأبيض قد «تحولت بهذا الشأن إلى مصنع للأكاذيب لصالح إسرائيل « ـ كما جاء في تقرير أميركي شامل»، وإذا كان حتى الرئيس بوش نفسه قد اعترف قائلا: «الأسلحة التي ظننا انها في العراق لم نعثر عليها»،

فإن صناعة الأكاذيب التضليلية إذن المتعلقة بالملفات العراقية على اختلافها تستدعي من العراقيين والعرب وقفة مراجعة حقيقية للأجندة والأهداف الأميركية المبيتة. وفي هذا السياق أيضاً فإن عملية ضخ الأكاذيب والتلفيقات وتزييف الحقائق بشأن المشهد العراقي تأخذ مسارا أوسع نطاقا واشد خطرا على العراق والعرب والإسلام،

فالحملة الأميركية المسعورة لتحويل العراق إلى «قاعدة ومنطلق للإرهاب» وتحويل المقاومة العراقية إلى «زعران وعصابات ومافيا ومتسللين إرهابيين وخارجين على القانون» تحمل في أحشائها مخططات أميركية وصهيونية معا ترمي إلى اغتيال الوطن والاستقلال العراقي اغتيالا استراتيجيا إلى ابد الآبدين (وان كانت هذه المخططات وتحقيقها ليست قدرا محتما لا راد له..).

وانتقالا من النظرية إلى التطبيقات على الأرض في فلسطين والعراق نتابع المشهد التالي:

على الطريقة الإسرائيلية مع الفلسطينيين تماما، تبنت الإدارة الأميركية خطابا إعلاميا ـ سياسيا تضليليا تجاه العراق، فكما شنت الدولة الإسرائيلية حربا شاملة لا هوادة فيها، ترمي إلى خلط الأوراق والحقائق وقلبها رأسا على عقب،

وتحويل النضال والانتفاضة الفلسطينية إلى «إرهاب» و«عنف» يبرر ويسوغ «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ـ كما يزعمون ـ »، والقضاء على «الإرهاب» الفلسطيني على طريق تحقيق هدفهم الاستراتيجي الكبير بالإجهاز على المشروع الوطني الاستقلالي الفلسطيني وإلغاء الآخر ـ الشعب الفلسطيني ـ سياسيا وحقوقيا،

كذلك استلحمت الإدارة الأميركية موظفة كافة أسلحتها وأجهزتها ونفوذها وبلطجتها وسماسرتها في الداخل العراقي والعربي وخارجه بغية تزييف الحقائق وتغيير مسار الأمور، وتحويل المقاومة العراقية العارمة في وجه الاحتلال إلى «إرهاب» و«خروج على القانون» وأي قانون..؟.

وكما في الملف الفلسطيني احتدم الجدال الفلسطيني والإسرائيلي والعربي والدولي حول الانتفاضة والمقاومة، كذلك في الملف العراقي سعت الإدارة الأميركية إلى تجنيد اكبر حشد وتأييد عربي ودولي ممكن وراء مزاعمها وأكاذيبها بشأن المقاومة العراقية التي تسعى إلى إلباسها ثوب الإرهاب.

فعندما أعلن بوش أمام جنوده في بغداد خلال الزيارة الارسين لوبينية التي قام بها يوم 27/ 11/ 2003 قائلا: «لم نغز العراق، لم ندفع ثمنا باهظا في الأرواح ولم نهزم الطاغية لنحرر 25 مليون عراقي، فقط للانسحاب من وجه الزعران» إنما كان يقصد ان يقول في الجوهر والمضمون: «إننا قد جئنا بسبب أسلحة الدمار الشامل وسنبقى بسبب الإرهاب».

وكما قال معلق إسرائيلي في هذا الشأن: «إن هذا الشعار الذي سعت إليه إسرائيل جاهدة من اجل تكريسه قد تحول إلى سياسة عند بوش، ولكن ليس بالنسبة للعراق فقط، إذ إن الرئيس الأميركي يتبنى القاموس الإسرائيلي في هذا الصدد ـ تسفي بارئيل ـ هآرتس»،

وهذا ليس صدفة أو عبثا على الإطلاق، فهناك «صهاينة ينظمون فريق التخطيط الأميركي في هذا الصدد ومنهم هارولد رودو وولفويتز وبيرل وفيث وغيرهم»، وهناك عملية «شورنة للسياسة الأميركية تجاه المنطقة» حسب شهادة إسرائيلية في هآرتس لدرجة أن بوش أصبح يبيت في سرير شارون» حسب الرئيس الأسبق كارتر،

ولدرجة «انه تبنى أساليب شارون ـ موفاز ـ يعلون» كما جاء في شهادة هآرتس، ولدرجة «ان الجيش الأميركي ـ مثلا ـ أصبح يعمل في العراق كجيش إنقاذ ـ لإسرائيل ـ ويفكك تدريجيا التهديدات العسكرية المحيطة بإسرائيل، ويقدم لها ركيزة استراتيجية لم يسبق لها مثيل».

وكان كتاب «أسلحة الخداع الشامل» لمؤلفيه «شيلدون رامبتون» و«جون ستاوبر» الذي أحدث ضجة كبيرة قد فضح هذه المضامين والنوايا الأميركية ـ الإسرائيلية الشريرة حينما أشار إلى ذلك «المخطط الشيطاني الرامي إلى تحويل العراق إلى قاعدة للقاعدة والإرهاب الدولي، كي تصبح مهمة بناء العراق مهمة صعبة وطويلة ومفتوحة في ظل التهديد الإرهابي المستمر»،

ولعل الأخطر في هذا السياق أيضاً هو ذلك المخطط الشيطاني الرامي إلى «إثارة وتعميم مشاعر الخوف والفزع لدى الرأي العام الأميركي والأوروبي والعالمي من الإرهاب العربي والإسلامي، الأمر الذي قد يحول ـ ليس المقاومة العراقية فقط ـ بل كل عربي وكل مسلم إلى مشروع إرهابي» كما يبيتون.

هناك وفق المعطيات المقروءة جوقة كاملة متكاملة تمتد من البيت الأبيض وتمر عبر تل أبيب، لتتجمع وتتكثف في بغداد، يمكن أن نطلق عليها إن جازت التسمية «جوقة الإرهاب «التي تقوم بنشر وتسويق قصص وأكاذيب «الإرهاب»، و«المتسللين الأجانب» و«الجماعات الإسلامية» و«خلايا القاعدة» المنتشرة انتشارا هلاميا في كل أنحاء العراق،

وتصر «جوقة الإرهاب» تلك إصرارا غريبا عجيبا على تغذية ونشر صورة الإرهاب «وعلى وصم المقاومة العراقية المشروعة ب«الإرهاب» أيضاً ونعتقد أنها ـ أي الجوقة ـ ستبقى تعزف على هذه النغمة حتى لو انخرط الشعب العراقي كله على امتداد مساحة العراق في المقاومة،

ولذلك ـ نستخلص بمنتهى الوضوح أن هذه الحرب الأميركية التدميرية وهذا الغزو الشامل للعراق إنما استند إلى الأكاذيب والأضاليل، وان هذه الحملة الأميركية المسعورة تحت شعارات «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«الحريات العامة» و«تحرير الشعب العراقي» وغيرها،

إنما هي كليشيهات كاذبة ومخادعة وتضليلية، وأن كل قصة «الإرهاب الدولي» خدعة كبيرة أيضا، ما يستدعي في الاستخلاص المكثف وقفة مراجعة تقيميه حقيقية وجادة لدى المثقفين والإعلاميين العرب على نحو خاص جداً لإعادة صياغة الخطاب الإعلامي والأولويات العربية الحقيقية والمنطقية في قصة «الإرهاب» من بداياتها إلى نهاياتها.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com