لعل أصدق عبارة قيلت في خضم أحداث غزة الأخيرة وكسر حاجز الخوف من الحواجز والحدود لدى جمهور الفلسطينيين باقتحامهم الحدود التي تفصل قطاع غزة عن مصر وما نجم عن ذلك من واقع جديد ومفاوضات فلسطينية ـ فلسطينية، وفلسطينية ـ مصرية كانت تلك التي أطلقتها قيادة حركة حماس عندما قالت إن الوضع في غزة لن يعود قط إلى ما كان عليه قبل كسر الحصار ودك أسواره وبواباته وجدرانه الشامخة.
لكن على الرغم من صحة هذه المقولة إلا أنها لن تصب بأي حال من الأحوال في خانة الرؤية الحمساوية الداعية إلى إشراك الحركة في إدارة معبر رفح القائم على حدود واهية أصلا، أو في جيب الطرح السلطوي الذي ينادي بتطبيق الاتفاق الخماسي شبه الدولي لعام 2005 الخاص بإدارة المعابر بين القطاع وأرض فلسطين التاريخية من جهة وبينه وبين مصر من جهة أخرى،
واحترام التعهدات والالتزامات الفلسطينية تجاه ما يطلق عليه المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ذلك أن الفائز الوحيد في هذا المشهد الدرامي المتداخل هو الكيان الصهيوني وحده، الذي ما ان بدأت تتكشف أطراف خيوط هذه الأزمة وتشعباتها الداخلية والخارجية حتى أعلنت مصادر أمنية إسرائيلية لأول مرة عن استعداد الدولة العبرية لتعديل معاهدة كامب ديفيد الموقعة بينها وبين مصر،
بحيث تنشر قوات مصرية إضافية مجهزة بأسلحة ثقيلة على امتداد الحدود المصرية مع قطاع غزة، بينما تناقلت وسائل الإعلام خبرا مفاده أن رئيس القسم السياسي والأمني في وزارة الجيش الإسرائيلي عاموس جلعاد يجري اتصالات مع الجانب المصري حول الأوضاع الأمنية على امتداد الحدود بين مصر وقطاع غزة، فضلا عن أن وفدا أمنيا إسرائيليا زار مصر مؤخرا.
على غرار سلسلة المحطات المستجدة السابقة التي طرأت عنوة على مسيرة الصراع العربي ـ الصهيوني والتي تحولت كل منها إلى أمر واقع وثابت على الأرض، الرجوع عنه أصبح بذاته يشكل هدفا كبيرا للجانب العربي لا بد من الدخول حوله في مفاوضات لا نهاية لها مع الجانب الإسرائيلي،
فإن دخول الجانب العربي ممثلا، هذه المرة، بمصر لن يكون رحلة عابرة يمكن العدول عنها متى شاء أصحابها، ذلك أن قادة الدولة العبرية سيحولون مجريات أحداث غزة الأخيرة إلى واقع ملموس يمكن البناء عليه باتجاه محاولة الربط بين سلسلة المشكلات التي تعاني منها الدولة العبرية
وما ترغب في تحقيقه من توجهات وبين نتائج التحرك الجماهيري الفلسطيني الأخير على طريق التحلل مرة وإلى الأبد من التزاماتها ومسؤولياتها، كقوة محتلة، تجاه سكان قطاع غزة عن طريق ربط غزة بمصر «الأم» بشبكة من البنى التحتية والخدمات الاستراتيجية على طريق إقامة دولة للفلسطينيين في صحراء سيناء كفيلة بحل ليس مشكلة سكان القطاع فحسب،
بل العديد من المشكلات الاستراتيجية الأخرى وعلى رأسها مسألة ما يطلق عليهم عرب إسرائيل، الذين يشكلون خمس سكان الدولة العبرية ويعتبرون مصدر قلق ديموغرافي يهدد نقاء الهوية اليهودية العنصرية للكيان الصهيوني،
وما قرار المحكمة الإسرائيلية العليا الأخير الخاص بإغلاق ملف جريمة قتل 13 فلسطينيا عام 2000 إلا دليل إضافي دامغ على المعاملة العنصرية التي يتلقاها فلسطينيو 48 من جانب دولة الاحتلال التي تعتبرهم مواطنين ربما من الدرجة العاشرة من الممكن سحب حق المواطنة منهم وترحيلهم في الوقت المناسب.
لا بل إن الدولة العبرية ربما تمكنت، عن طريق انسحابها من قطاع غزة وحصارها الجائر له واستثمار واقع الانقسام والتشرذم الفلسطيني الداخلي واستمالة رموز السلطة الفلسطينية واستغلال موقف النظام الرسمي العربي المتفرج ـ ربما تمكنت من اصطياد عدة عصافير بحجر واحد بدءا من التخلص من الصداع الذي يسببه لها قطاع غزة منذ احتلالها له عام 1967
ومرورا بمشكلة حدود الدولة الفلسطينية ورقعة انتشارها وليس انتهاء بمشكلة اللاجئين وعرب إسرائيل التي تفيد الأدبيات الصهيونية بأن العرب هم المسؤولون الوحيدون عنها وعن إيجاد الحلول الناجعة لها.
لا شك بأن كل هذه النجاحات السياسية الإسرائيلية الكامن منها والمحقق على أرض الواقع حتى الآن ما كان له أن يرى النور لولا الاستثمار الجيد لحالة الانقسام والتشرذم التي يمر بها أقطاب النظام السياسي الفلسطيني العتيد، الغارق بالعصبوية التنظيمية المقيتة،
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو: أليس حريا برموز السلطة الفلسطينية فتح حوار مع أبناء جلدتهم من حركة حماس وغيرها من التنظيمات الفلسطينية عوضا عن إضاعة الوقت وتشتيت الجهود في اجتماعات باتت دورية لا طائل منها مع الجانب الإسرائيلي؟