كانت رأس الجالس بجواري في المسجد تميل إلى الأمام حتى تكاد تلامس الأرض قبل أن ينتبه فيعدل من جلسته أو يحتبي عاقدا يديه حول ركبتيه المضمومتين، لكنه لا يلبث أن تنتابه نوبة نعاس أخرى فيعود إلى الترنح يمنة ويسرة بينما كان خطيب الجمعة ماضيا في قراءة خطبته من الورقة التي في يده بوتيرة واحدة لا تتغير بانتقاله من فقرة إلى فقرة ولا من موعظة إلى دعاء.

تأملت الجالسين في المسجد فإذا بي أجد كثيراً منهم في وضع قريب من جاري، فالذي لم يكن يغالب النعاس منهم متثائباً كان يبدو عليه أنه في واد والخطيب في واد وهو ينظر من حين إلى آخر في ساعته متعجلاً انتهاء الخطيب من خطبته.

كانت النسبة الغالبة من الذين كانوا يؤمون المسجد من ذوي الجنسية الآسيوية الذين يعرفون بالكاد بعض المفردات العربية المتفرقة لتسيير أمورهم والتواصل مع أرباب عملهم. لفت انتباهي أثناء النظرة البانورامية التي جلت خلالها ببصري في المسجد أن أحدهم كان يضع هاتفه المتحرك أمامه في وضع (صامت) كما يبدو انتظاراً لمكالمة تأتيه عبر البحار،

إذ كانت شاشة الهاتف تضيء بين فينة وأخرى دون أن يصدر عنه صوت رنة من الرنات المعتادة، مما أكد لي صدق إحساسي بالحاجز الذي كان بين المصلين والخطيب. كان موضوع الخطبة عن (الوقف في الإسلام). وقد بدأ الخطيب شارحاً مفهوم الوقف لغة واصطلاحاً،

مبيناً أصل مشروعيته والأدلة الشرعية عليه من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، موضحاً حكمة مشروعيته. ثم أخذ يضرب أمثلة من وقوفات النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، وختم حاثا المصلين على الإكثار من الصدقات بشكل عام، وهذه الصدقة المستحبة على وجه الخصوص.

تأملت وجوه المصلين الذين في المسجد فوجدت أغلبهم من العمالة الآسيوية التي بالكاد تجد ما تنفقه من الأجور التي تتقاضاها وتوفر منها القليل الذي ترسله إلى عائلاتها في بلدانها الأصلية. حتى الأخوة العرب - الذين كانت نسبتهم قليلة - كان واضحا على وجوههم أنهم من الموظفين الذين ربما كانوا أحسن حالا من الفئة الأولى،

لكنهم من ذوي الدخول المحدودة التي لا تتيح فائضا يسمح بتطبيق كلام الخطيب حتى لو أحبوا ذلك. ولم يكن يبدو على المواطنين - الذين كانوا يمثلون أقلية وسط الحاضرين - أنهم من ذوي الأملاك الكثيرة والثروات الطائلة التي يمكن أن يوقفوا بعضها امتثالا لهذه السنة الحسنة التي حث عليها ديننا الحنيف ترسيخا لمبدأ التكافل بين أفراد المجتمع المسلم.

كان مشهد الخطيب والمصلين يدعو إلى التأمل في مدى الفائدة التي يمكن أن تتحقق من خطبة كهذه وسط هذه الفئة من المصلين، ومدى مناسبة موضوعها لهم، والأهم من هذا، مدى قدرة الخطيب على الاستحواذ على اهتمام المصلين وهو يلقي خطبته بهذه الطريقة الرتيبة التي كان أثرها واضحا على جاري المتمايل يمنة

ويسرة وهو يغالب النعاس الذي كاد أن ينتقل إلى رغم لحظة التركيز والتأمل التي تولدت منها كل هذه الأسئلة والأفكار التي لم أستطع التخلص منها حتى بعد أن انقضت الصلاة وانتشر المصلون في الأرض يبتغون من فضل الله.

كان المسجد في المراحل الأولى من الدعوة مقرا للحكم، تدار من خلاله شؤون البلاد، وتعلن فيه قرارات الحرب، وتوقع فيه اتفاقيات السلام. وكان مدرسة يتعلم فيها المسلمون أمور دينهم ودنياهم، وجامعة يتخرجون منها متسلحين بأقوى الأسلحة لمواجهة أعتى مواقف الحياة. حدث هذا في العصور الأولى من الدولة الإسلامية، فكيف تحول المسجد في عصرنا هذا إلى مكان للتثاؤب والنعاس والملل الذي كان المصلون يعبرون عنه بأشكال مختلفة؟

صحيح أن الدول قد تطورت منذ عهد النبوة الأول والعهود التي تلته، وصحيح أن مقر الحكم قد انتقل إلى دواوين الملوك والحكام والرؤساء وأصبحت له مراسم وبروتوكولات معتمدة، وصحيح أن قرارات إعلان الحروب وإنهائها قد انتقلت إلى وزارات الدفاع وقيادات أركان القوات المسلحة وأصبح لها استراتيجيات وخطط محددة،

وصحيح أن شؤون التعليم قد أوكلت إلى وزارات التربية والتعليم ومؤسسات التعليم العالي بمستوياتها المختلفة وأصبح لها مدارس ومعاهد عليا وجامعات، لكن هذا كله لا يمكن أن يكون مبررا كافيا لما آلت إليه أحوال مساجدنا،

وتقلص دورها إلى هذه الدرجة، وتحولها إلى أماكن طاردة للفئة الأهم التي يجب أن تكون جاذبة لها، وهي فئة الشباب الذين لا يدخل المسجد من يدخله منهم يوم الجمعة - بإلحاح من الأهل - إلا والخطيب ينهي خطبته.

ربما كان لوزارات الشؤون الإسلامية وهيئاتها ودوائرها في دولنا العربية والإسلامية - على اختلاف مسمياتها - مبرراتها لتحديد موضوعات الخطب وتوحيدها، وكتابتها من قبل مختصين لديها، وإلزام الخطباء بإلقائها من الورق مكتوبة، لكن هذا لا يتنافى مع اختيار موضوعات تناسب أحوال المصلين وتقترب من الأمور التي تهمهم،

ففي مجتمعاتنا من المشكلات ما يمكن أن يشكل رصيدا غنيا لهذه الخطب، ولدى أمتنا من القضايا ما تضيق عنه أمهات الكتب، فلماذا تبتعد هذه الخطب عن مشكلات مجتمعاتنا وقضايا أمتنا لتخوض في مسائل ليس محلها خطب الجُمَعِ، وإنما حلقات الدروس والمعاهد الدينية وكليات الشريعة وإدارات الفتوى وبرامجها المختصة؟

أما الخطباء أنفسهم فتلك قضية أخرى لا نعتقد أن مسؤوليتها تنحصر في الوزارات والهيئات ودوائر الشؤون الإسلامية وحدها، وإنما تتوزع على هذه الجهات كلها، وتشترك معها فيها معاهد وكليات إعداد هؤلاء الخطباء

الذين يجب أن يكونوا دعاة لا مجرد مؤدين تبدأ مهمتهم باستلام الخطبة بالفاكس أو الإيميل ـ كما تعتزم الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف توزيعها - وتنتهي بإلقائها بتلك الوتيرة التي لا تشد إليها أحدا من المصلين.

صحيح أن الخطباء المفوهين ذوي الحضور القوي والجماهيرية الطاغية من النوادر الذين قل أن يجود بهم الزمان لأنهم يتمتعون بمواهب فطرية من الصعب اكتسابها، لكن هذا لا يعني أن يسعى الخطباء إلى الاقتراب من المصلين عن طريق تلوين أدائهم وبث نوع من الحماس فيها كي يبقى المصلون على تماس معهم واتصال بموضوع خطبتهم حتى لو جانب التوفيق من كتبها أحيانا.

إنها مجرد ملاحظات، ليس الهدف منها التقليل من جهد أحد أو جهة من الجهات التي نكن لها كل الاحترام والتقدير ونشد على أيديها في سعيها إلى أداء مهمتها على أكمل وجه. وهي دعوة لجعل المسجد منطقة جاذبة للمسلمين،

كي لا نرى داخله من يتثاءب وهو يغالب النعاس، أو يركز انتباهه على هاتفه الجوال. وكي يحرص الجميع على سماع الخطبة من أولها فلا نرى من يدخل المسجد والخطيب ينهي خطبته قائلاً: (قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله).

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com