القاضي الإسرائيلي إلياهو فينوغراد كتب تقريره من منظور إسرائيلي بطبيعة الحال. ولكن لماذا لا نقرأ التقرير من منظور عربي؟ فينوغراد هو رئيس لجنة التحقيق الرسمية التي كلفت بتقصي أسباب فشل الحملة العسكرية الشاملة التي شنتها إسرائيل على لبنان عموماً و«حزب الله» على وجه الخصوص في صيف عام 2006، وقد أذيع نص التقرير قرب نهاية الأسبوع الماضي.
وبعد أن وصف هذا التقرير القضائي النتيجة النهائية لتلك الحملة بأنها «إخفاق كبير وخطير» فإنه توجه بانتقادات حادة إلى الجيش الإسرائيلي وقياداته. «الإخفاق الكبير والخطير» لإسرائيل يعني باللغة البسيطة هزيمة حاسمة إذا قرأنا التقرير بعين إسرائيلية.
أما إذا قرأناه بعين عربية فان ما حدث هو انتصار مؤزر للمقاومة الوطنية اللبنانية المتمثلة في حزب الله وقوته القتالية. وفي هذا السياق بالتحديد قال القاضي فينوغراد: «إن تنظيماً شبه عسكري يضم بضعة آلاف من الرجال «أي حزب الله» واجه على مدى أسابيع أقوى جيش في الشرق الأوسط يتمتع بتفوق جوي كامل ووسائل تكنولوجية متطورة».
هذه الملاحظة القضائية الإسرائيلية جديرة بأن تتوقف عندها قيادة السلطة الفلسطينية والرئيس محمود أبومازن الذي درج على تسفيه حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد أن عمد فصيل «فتح» الذي يتزعمه إلى تمزيق الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يعتمد الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي للتحرر.
من قبيل المصادفة تزامن نشر تقرير فينوغراد مع تصريحات إعلامية لناطق باسم الرئيس أبومازن حيث قال وزير داخلية السلطة الفلسطينية عبدالرزاق اليحيى إن «عهد الميليشيات انتهى»، داعياً إلى «التخلي عن الأوهام بحيث لا نضع أنفسنا وكأننا نعتقد أننا بإمكاناتنا المحدودة أن نصنع المعجزات».
ولكن ألا يعرف هذا المسؤول الفلسطيني أن المقاومة اللبنانية صنعت فعلاً ما اعتبره معجزات فليتأمل الإقرار الإسرائيلي الذي ورد على لسان القاضي فينوغراد بأن حزب الله الذي لا تتعدى قوته القتالية بضعة آلاف من الرجال ألحق هزيمة كاسحة بأقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط.
في التفاصيل قال القاضي الإسرائيلي إنه اكتشف تقصيراً خطيراً لدى قيادة الجيش الإسرائيلي خلال الحملة على قوات حزب الله في اتخاذ القرارات والأداء، ومعنى ذلك كما شرح لاحقاً أن حالة من الارتباك الشامل أصابت صفوف الجيش الإسرائيلي من مستوى القيادة العليا إلى مستوى الجندي الميداني.
ولا شك أن حالة الارتباك نتجت عن التأثير النفسي البالغ لدى قوات الجيش الإسرائيلي بسبب البسالة القتالية لرجال المقاومة اللبنانية. لهذا نفهم لماذا لجأت القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى القصف الجوي تهرباً من الالتحام البري مع قوات المقاومة.
قال الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ في أدب حروب التحرير: إن النصر لا يعتمد على مضاء السلاح ولا على طبيعة أرض المعركة وإنما على قلوب الرجال». كبديل عن المقاومة المسلحة تعتمد قيادة السلطة الفلسطينية ما تطلق عليه نهج «النضال السياسي» ـ
أي التفاوض السلمي مع العدو دون أن تكون العملية التفاوضية مترافقة مع قتال ميداني. ومثل هذا الطرح الانهزامي يعني أحد أمرين، إما أن قيادة السلطة الفلسطينية لم تطلع على أدبيات الحروب التحريرية أو أنها تنسق مع الطرف الآخر.