تساكن الإرادات في عالم متعدد الأقطاب ـ محمد صادق الحسيني

تساكن الإرادات في عالم متعدد الأقطاب

الأميركيون لا يثقون بالإيرانيين لكنهم يعتبرونهم «شراً» لابد منه بعد أن تحولوا إلى رقم صعب ووزن ثقيل يفرض نفسه في أكثر من معادلة لأكثر من ملف حيوي في المنطقة!

الإيرانيون بالمقابل لا يثقون بالأميركيين وهم إذ يعتبرونهم بالأساس «الشيطان الأكبر» في العالم، لكنهم يرون فيهم أيضاً «الشر» الذي يفرض نفسه في أكثر من ساحة وقضية، ليس في المنطقة وحدها بل في العالم كله أيضاً، ولما كان الأميركيون يعتبرون أنفسهم هم «سادة» العالم وساسته الأوائل والقوة الأعظم في المعادلة الدولية فإنهم يعتبرون أنفسهم المسؤولون عن احتواء كل من هو «شرير» في هذه المعادلة الكونية أياً كان حجم الشر الذي يمثله أو نوعه!

بالمقابل فإن الإيرانيين المعروفين بعراقة منهج الدراية والحكمة لديهم واستناداً إلى حكمة شاعرهم الكبير حافظ الشيرازي الذي يقول:

سعادة الدارين في هذين البيتين

مداراة مع العدو ومروءة مع العدو

وعملاً بالحكمة المشهورة التي تقول: ليس العاقل من يميز الخير من الشر بل العاقل من يعرف خير الشرين من تاريخ الصراع بين الصديق والعدو، مطالبون أكثر من أي وقت مضى بممارسة فعل «المداراة» مع العدو بقدر ما هم مطالبون بممارسة فعل المروءة مع الصديق، فالأميركي بات يقر اليوم مهما بدا مكابرا أن الزمن ليس زمن الحسم مع «الشر» الإيراني مهما امتلك من أدوات جهنمية للحسم بعد أن بات الأخير ممسكا في رقبته في أكثر من ساحة وأكثر من ملف أو ميدان!

والإيراني يعرف قطعا أن الوقت ليس وقت القطع التام مع «الشر المطلق» والشيطان الأكبر فضلا عن الانقضاض عليه مهما بدا مرتاحا لتقهقر الأخير وتعثره في أكثر من ساحة، ذلك أن الذئب الجريح قد يكون أكثر شراسة وأكثر توثبا للفتك من الذئب السليم!

من أجل ذلك كله ولأن المنطقة خالية من أي مشروع أو استراتيجية لأحد فإن الملفات كلها والساحات كلها والميادين كلها باتت وكأنها أشبه بحالة لعبة الدومينو على الطريقة العراقية عندما «تقفل»!

لا يبدو الأمر أكثر وضوحا للعيان ومعبرا اشد التعبير عن هذه المعادلة الصعبة ولا هو في أكثر أشكاله وحالاته «نصاعة» كما هو الحال في لبنان اليوم!

فبالرغم من كل ما يقال وينشر وينثر هنا وهناك من كلام أو مقالات أو تصريحات أو مصارحات أو محاصصات أو صراع على الأعداد والأرقام في «حكاية» ما بات يعرف بحكومة الوفاق الوطني أو حكومة الشراكة المتنازع عليها بعد الاستحقاق الرئاسي اللبناني، فإن جوهر المشكلة يكمن بنظر العارفين ببواطن الأمور، في عجز الأميركي ومعه الإسرائيلي بكل ما أوتي من قوة عن كسر إرادة أصحاب مشروع المقاومة والتحرير ممثلين بالمعارضة اللبنانية الذين باتوا يشكلون عصب التوازن في الملفات الإقليمية الساخنة كلها وليس الملف اللبناني الداخلي وحده، لكنها تكمن بالمقابل.

وفي وجهها الآخر بعدم رغبة أو استعداد الفريق المقابل أيضا من الدخول في معركة «كسر عظم» مع من يوصموه بالخصم الغادر قبل نضوج لحظة الحسم على الصعيدين الإقليمي والمحلي، ليس بسبب عجز في القدرة على الحسم الميداني وإنما ردعا لأي سيناريو قد يكون محضرا لإدخال لبنان في مشروع يشبه بمشروع الفتن الكبرى المتنقلة على الشاكلة العراقية!

وهنا بالذات فإن ثمة من يقول إن الثقل الإقليمي في المعركة الكبرى بين المشروعين المتناقضين الآنفي الذكر وعلى الرغم من أهمية ومركزية ما يعرف تاريخيا بالملف «الشرق أوسطي» أو ما هو معروف تقليديا بالصراع العربي الصهيوني فإن هذا الثقل وكأنه قد انتقل ولو بشكل مؤقت إلى منطقة الهلال الخصيب أو ما يعرف ببلاد الرافدين وما يدور حولها اليوم من صراع على الأدوار والنفوذ والإرادات!

بانتظار أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتبدد الغيوم من سماء التساكن بين المشروعين المتعاكسين المذكورين أعلاه وهما «يتدافعان» على ارض بلاد الرافدين، فإنه لا يمكن لأحد أن يزعم أن بإمكانه أن يحسم نتيجة أي من الملفات الساخنة الكبرى في المنطقة، فضلا عن إمكانية التنبؤ بهزيمة أي من المشروعين الكبيرين بالضربة «القاضية» كما يحاول البعض أن يروج!

نعم ثمة من يبدو مكابرا ويريد الإيحاء بأنه قد «انتصر» في العراق وانه قضي الأمر وانتهى ولم يبق إلا بعض الترتيبات لتتويج هذا النصر بحسم «قريب» في ساحات أخرى من الإقليم، لكن المحللين الموضوعيين والحياديين يكادون يجمعون بأن واقع الأمر ليس كذلك بالتأكيد وان هذه المكابرة التي يحاول تغطيتها بالترويج لمثل هذه المزاعم ليس لها هدف سوى حفظ بعض ماء الوجه لمن تورط وذهب بعيدا في طموحه الامبراطوري ولا يريد الإقرار والاعتراف بأخطائه الاستراتيجية التي باتت متراكمة وتنتظر الظرف المناسب لتطفو على السطح.

في كل الأحوال لا يبدو ثمة ما يؤكد وجود نهاية قريبة حاسمة في الأفق المنظور لأي من الملفات المفتوحة على مسرح صراع الإرادات الدولية والإقليمية، بل العكس هو الملحوظ لاسيما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار «الوثبة» الروسية الملفتة على المسرح الدولي ومحاولة العودة الملحوظة بقوة إلى مسرح ما يسمى مجازا ب«الشرق الأوسط» عبر بوابتي طهران ودمشق وما يمكن أن يضاف إليها من طموحات اقتصادية غير منظورة لهذه الدولة العظمى في ظل تراجع استراتيجي واضح للاقتصاد الأميركي المتداعي أصلا، فضلا عن تنامي الحضور الصيني المتوثب هو الآخر لأخذ موقعه وحصته من المسرح الدولي والإقليمي.

هذا بالإضافة إلى ما تحمله أوروبا من طموحات لا تقل شأنا في ثنايا تحركاتها التي وان بدت متناغمة في الظاهر مع استراتيجية الطموح الامبراطوري الأميركي الأحادي المندفع إلا أنها لا تنفك ترسل الإشارة تلو الأخرى بوجود رغبة قوية لديها لإنضاج عالم متعدد الأقطاب يكون لها فيه دور متميز سيكون بلا شك على حساب الدور الأحادي الأميركي المتآكل أصلا.

من الآن وحتى ذلك الحين يبدو أن إيران الدولة الإقليمية الكبرى وذات المشروع الواضح المعالم هي الرابح الأكبر من هذا «التساكن» القلق بين الإرادات لكنه الفعال باتجاه عالم جديد، والقدر المتيقن منه انه لن يكون على المقاسات الأميركية التي روج لها مع طلائع «فتح» العراق و«أهزوجة» التحرر الديمقراطي التي انطفأت شعلتها الأولى في المستنقع العراقي رغم كل التبجح المكابر والمعاند لأصحابها وللمصفقين لها من ألوان الطيف الإقليمي!

كاتب إيراني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات