في أسبوع واحد رحل «الحكيم» جورج حبش و«المهندس» عزيز صدقي. قد تبدو المسافات بعيدة جداً بين الرجلين.. واحد ترك ممارسة الطب بعد تخرجه بسنوات قليلة ليتفرغ للنضال الثوري مؤسساً مع رفاقه حركة القوميين العرب.
رافعاً راية الوحدة العربية رداً على النكبة عام 48 وطريقاً لتحرير فلسطين وبناء الوطن العربي الواحد.. بينما الآخر لم يترك الهندسة التي تفوق في دراستها في جامعات مصر وأميركا ليعود لتدريسها في الجامعة المصرية، قبل أن يجد نفسه في سن السادسة والثلاثين وزيراً مسؤولاً عن بناء الصناعة المصرية من الصفر كطريق لبناء الدولة الحديثة وفقاً لرؤية عبد الناصر.
نعم.. في الظاهر قد تبدو المسافات بعيدة جداً بين الرجلين.. واحد يقوده النضال من خلال حركة القوميين العرب إلى تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وليخوض نضالاً مريراً ضد العدو الصهيوني، ليصبح متهماً ب«الإرهاب» بعد تبنيه خطف الطائرات كوسيلة لتفجير القضية الفلسطينية في وجه العالم الصامت على الظلم، ولاستخدامها كوسيلة لتحرير رفاقه الأسرى في السجون الإسرائيلية..
بينما الآخر يمضي بجهد دؤوب لينجز واحدة من أفضل خطط التنمية التي شهدتها أقطارنا العربية بل والعالم الثالث كله، ولتتحول مصر خلال بضع سنوات إلى قلعة صناعية حقيقية كان يمكن ـ لو استمرت التجربة في طريقها ـ أن تحيل مصر إلى عملاق صناعي ينافس ـ بل يتفوق على ـ دول جنوب آسيا.
نعم.. تبدو المسافات بعيدة جداً بين الرجلين: «الحكيم «الذي اقترب من عبد الناصر رمزاً للوحدة العربية وداعماً للنضال الفلسطيني، وهو يحيل القضية من قضية لاجئين يطلبون الإحسان إلى قضية شعب يطلب الثأر والعودة للوطن السليب، ثم يختلف مع عبد الناصر حين اتجه «الحكيم» لاشتراكية تقترب من الماركسية، ثم ملتقياً معه مرة أخرى بعد 67 حين أن أصبح توحيد الجهد في مواجهة الكارثة فرض عين على الجميع.
بينما «المهندس» في كل هذه السنوات يحفر في الصخر في غياب التمويل اللازم ومع حصار اقتصادي تفرضه أميركا، من اجل خلق قاعدة صناعية في مصر كانت بكل المقاييس أشبه بالمعجزة، ومن أجل العبور إلى العصر الحديث بعقلية المجتمع الصناعي التي عبرت بها أوروبا من التخلف إلى الحضارة الحديثة.
ما أبعد المسافات بين الرجلين..الثائر الذي قضى عمره مقاتلاً ضد مشروع الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية. والتكنوقراطي العظيم المنحاز لوطنه المؤمن بأن بناء عناصر القوة الذاتية هو الطريق لامتلاك القرار المستقل وتحقيق النهضة المطلوبة.
نعم.. المسافات بعيدة بين الرجلين فكراً ونضالاً ومسيرة حياة، ولكن ألا يمثل كل منهما وجهاً من وجوه معركة الأمة ـ في أصعب الظروف التي واجهتها ـ من أجل الحرية والعدل والتقدم والوحدة ؟
ألم يكن كل منهما جزءاً من مشروع الأمة للنهضة، ذلك المشروع الذي واجهته كل القوى المعادية بكل حسم لأنها تدرك معنى أن تتحرر إرادة أمة تملك كل مقومات التقدم فتسترد الحق والأرض وتقيم المصانع وتبني الحياة وتحقق العدل والمساواة ؟ وألم يكن كل منهما في نهاية العمر تجسيداً لنهاية مرحلة الأحلام الكبيرة على طريق الوحدة والتقدم والحرية ؟
في آخر لقاء مع «الحكيم «وهو يزور القاهرة، كان الرجل يمثل هذه المعاني.. الأحلام الكبيرة والخيبات الكبيرة. الإدراك بأن مرحلة التراجع العربي لن تمر بسهولة ولا بسرعة. والوعي بأن المشروع القومي للنهضة قد يتعثر ولكنه لن يموت. والرهان على أجيال جديدة تحتاج في الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة إلى اجتهاد فكري بجانب النضال السياسي لأن الهجمة شديدة ولأن وحدة الأمة هي المستهدفة، وذاكرتها تتعرض لامتحان قاسٍ.
كان «الحكيم» قد تخلى عن قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولكنه لم يتخل عن مكانته كجزء من ضمير شعبه وأمته وكان ـ رغم ظروفه الصحية الصعبة ـ قريباً من حركة الأشقاء في الجبهة ومشاركاً في التوجيهات الحاسمة محاولاً أن يشق طريقاً جديداً لاجتهاد فكري مطلوب لكي تعبر الأمة أزمتها.
أما «المهندس «فكان على العكس.. في هذه السن المتقدمة فاجأ الجميع بالانخراط في العمل السياسي المباشر في السنوات الأخيرة بعد سنوات اكتفى فيها بإبداء الرأي فيما يجري على الساحة دون الانخراط في عمل سياسي مباشر.
كنت قد اقتربت من عزيز صدقي لأول مرة في ظروف دقيقة بعد كامب ديفيد حين جمعنا «الائتلاف الوطني» الذي تم تكوينه من مختلف التيارات السياسة لمواجهة الموقف. كنت يومها أصغر أعضاء الائتلاف الذي ضم رموز العمل الوطني في مصر. وكان وجود عزيز صدقي يطرح أسئلة عديدة.. فالرجل كان قد وقف إلى جانب السادات في أحداث مايو، ثم تولى رئاسة الوزارة بعد فترة، ثم افترقت الطرق بعد ذلك حتى كان عزيز صدقي احد رموز المعارضة المصرية لسياسات السادات في نهاية عهده.
كنت حريصاً على اللقاء به والحديث معه. فالرجل يحمل نقاءً من النادر أن تجده في عالم السياسة، والرجل هو شاهد على عصره دون تحيزات أيديولوجية. والرجل كان شديد الوعي بمسألة في غاية الخطورة يومها وهي تلازم النهج السياسي الجديد للرئيس السادات بسياسات اقتصادية واجتماعية سوف تؤدي ـ وفقاً لرؤيته ـ إلى نسف كل ما تم بناؤه بالعرق والدم في سنوات سابقة.
كانت الحملة على جمال عبد الناصر في أوجها، وكانت الصناعة المصرية أحد الأهداف لهذه الحملة. وكان الرجل يملك ما لا يملكه غيره في هذه القضية.. الحقيقة المجردة والأرقام التي لا تكذب، والإدراك بأن ما أعلنه السادات يومها من أن مصر عاشت عصوراً طويلة وهي بلد زراعي، وينبغي أن تعود كذلك، هو كارثة بكل المقاييس، ليس فقط لأنه يهدر جهوداً غير اعتيادية لشعب مصر على مدى سنوات، ولكن أيضاً لأنه يتجاهل حقيقة انه بدون اقتحام الصناعة الحديثة فإن المستقبل مهدد بالضياع.
كانت الحملات تتحدث عن فشل برنامج تصنيع مصر، وكان الرجل يرد بأن هذا البرنامج هو الذي تحمل عبء التنمية وعبء الحروب معاً. وكان يروي كيف قام قبل أكتوبر وهو رئيس للوزراء بتنفيذ خطة إعداد مصر للحرب، وكيف تم توفير احتياطي كامل لمدة أربعة أشهر، وكيف استطاعت مصانع مصر أن توفر كل المستلزمات الأساسية لحياة المصريين فلم تحدث أزمة في أي سلعة ضرورية طوال الحرب.
وكانت الحملات تقول إن برنامج تصنيع مصر قد كبل مصر بالديون ورهن اقتصادها للاتحاد السوفييتي. وكان يرد بأن صناعة مصر ليست مديونة لأحد على الإطلاق. وان الاتفاقيات كانت تنص على أن يتم سداد القروض من تصدير إنتاج المصانع نفسها وخلال 12 سنة. وهكذا فإن آخر مصنع افتتحه عبد الناصر في يوليو 70 وقبل رحيله ببضعة شهور تم تسديد القرض الخاص به في عام 82، ولم يعد هناك مصنع مصري واحد مدين للخارج.
وكان مما استوقفني في أحاديث «المهندس» العظيم هو كيفية استمرار عملية التصنيع بعد هزيمة 67. وكان الرجل يحكي الأساطير عن جهد المهندسين والعمال المصريين في هذه الظروف، وكيف ساهموا في توفير ما يحتاجه الوطن، وكيف لبت المصانع المصرية احتياجات القوات المسلحة المصرية، ثم كيف استوعبت الصناعة المصرية الظروف الاقتصادية الصعبة، واستمرت ليس فقط في تشغيل المصانع القائمة بل وبناء المصانع الجديدة.
ولم يكن الأمر سهلاً، بل شهد خلافات كبيرة داخل مجلس الوزراء الذي كان يرأسه عبد الناصر، وكان الفريق الاقتصادي في الوزارة يؤكد دائماً على قلة الموارد المالية المتوافرة.. خاصة مع إغلاق قناة السويس وتوقف السياحة واستيلاء إسرائيل على بترول سيناء، كما كان يحذر من زيادة معدلات التضخم وتأثيرها على الأسعار. بينما كان عزيز صدقي ومجموعة أخرى من الوزراء ترى في توقف برامج التصنيع مشكلة كبرى وتحقيقاً لأهداف العدوان على مصر.
وروى لي «المهندس» العظيم ذات يوم تفاصيل جلسة لمجلس الوزراء حول هذه القضية انقسم فيها المجلس إلى فريقين وكان على عبد الناصر أن يحسم الأمر، وقد فعل بطريقته حين خاطب الوزراء بأنه يعرف قلة الموارد ومخاطر التضخم، ولكن على الجميع أن يذكروا أن هناك مليون شاب مصري على جبهة القتال.
وسوف يخوضون الحرب ، وسوف ينتصرون ويحررون الأرض ويثأرون للهزيمة، ثم يعودون لأرض الوطن.. فماذا سنفعل لهم؟هل سنكتفي بالتصفيق لهم ثم نتركهم للبطالة، أم نوفر لهم العمل والمسكن وفرصة تكوين عائلة والإحساس بأن تضحياتهم لم تذهب سدى؟
هكذا حسم عبد الناصر الأمر، واستمر برنامج التصنيع واستطاعت مصر في ظل النكسة أن تبني عدداً من اكبر وأهم مصانعها. ومن هنا كانت فجيعة عزيز صدقي وهو يشهد مخطط بيع هذه المصانع وبأقل الأسعار وفي ظل عملية نهب غير مسبوقة ينبغي إيقافها بأي ثمن. وكان يقول ان تخريب واحدة من القلاع الصناعية وبيعها كان بالنسبة له كفقد ابن عزيز غالٍ.
ومن هذا الباب عاد عزيز صدقي إلى الحياة السياسة المباشرة وهو في الثمانين من عمره. ولم يكن يتحدث في الأيدلوجيات ولكنه كان يدعو الناس للدفاع عما أنجزوه من خلال تجربة لبناء الوطن بالمدرسة والمصنع وبالإرادة المستقلة. وكان وجوده يزعج الكثيرين..
كان يزعج طبقة تعيش منذ سنوات على نهب ما تم بناؤه من قبل. وكان يزعج من يريدون تثبيت فكرة أننا أمة عاجزة عن البناء الحقيقي في عصر العلم والتكنولوجيا. وكان يزعج من يريدون تشويه تجربة ستظل مثالاً للأمة حين تستعيد إرادتها فتحقق الكثير رغم كل التحديات.
وتشاء الأقدار أن يرحل «المهندس» عزيز صدقي ، مع رحيل «الحكيم» جورج حبش.. ونفقد وجهين كان كل منهما ـ بطريقته وفي مجاله ـ جزءاً من وجه الأمة وهي تنهض وتبني وتقاتل وتحلم بالثأر والوحدة والعدل والتقدم.
وتشاء الأقدار أيضاً أن يرحل الرجلان بعد أيام من احتفال الأمة بالذكرى التسعين لميلاد الرجل الذي كان رمز هذه المرحلة. رحل عبد الناصر مبكراً ولكنه مازال حياً في ضمير الأمة ويرحل الآن من تبقى من جيل الأحلام الكبيرة. ونودعهم في حسرة، ونؤمن أن الأحلام الكبيرة للشعوب الأصيلة قد تتراجع زمناً ولكنها أبداً لا تموت.