يحلل أصحاب نظرية التبعية في العالم العربي واقع الدول العربية المتراجع لعامل التبعية للغرب معتبرين أن سياسات الدول العربية ليست إلا مرآة عاكسة لما يريده الغير منها. ولعل الصحف والشاشات العربية ليس لديها عجز في إيجاد أقلام وأصوات تعبر عن هذا الخط لاسيما عندما يأتي الموضوع بدول المنطقة الخليجية .
حيث يربط مثل هؤلاء المحللين دول هذه المنطقة بتبعية قرارها السياسي الخارجي بالولايات المتحدة بشكل كبير. مثل هؤلاء الأشخاص وإن كانت بعضاً من تحليلاتهم تحمل جانب الصواب إلا أن القبول بفكرتهم القائلة بأن القرار السياسي الخارجي في منطقة الخليج العربي يملى على دول المنطقة من الولايات المتحدة أمر مبالغ فيه ولا يمكن القبول به.
دول الخليج شأنها كشأن دول العالم الأخرى تتأثر بما يحدث من حولها وتتأثر كذلك بتحالفاتها القائمة مع دول أخرى، فدول الخليج تقع في منطقة جغرافية أملت عليها ظروفها إتباع سياسة التحالف مع دول فاعلة في النظام الدولي لمساعدتها على تحقيق أمنها واستقرارها؛ وليس في ذلك عيب على الإطلاق .
حيث إن الدول تتفاوت في قدراتها وقوتها وفي مقدرتها على تأمين أمنها واستقرارها؛ فنظريات السياسة الواقعية ترشدنا إلى حقيقة أن الدول غير القادرة على أن تحقق لنفسها الأمن والاستقرار ما عليها إلا أن ترفع من قدراتها تلك بالتحالف مع دول أخرى تشاركها ذات المصلحة ولديها المقدرة على أن تحقق لها هدف الأمن.
لذلك فتحالف دول الخليج العربية مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى فاعلة في النظام الدولي من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة هو أمر طبيعي في منظومة العلاقات القائمة بين الدول في أي نظام دولي ما كان ولا يمكن اعتباره دليل إخفاق وتبعية مباشرة للغير.
ترديد نغمة أن دول الخليج العربية هي دول عاجزة عن اتخاذ قرارها الخارجي بذاتها وأن قراراتها الخارجية تصنع خلف الكواليس في الإدارات الأميركية والغربية هو أمر مبالغ فيه ولا يمكن أن نقبل به نحن كأكاديميين ندرس فلسفة وأسس صنع السياسة الخارجية.
صحيح أن الدول الخليجية تأخذ في عين الاعتبار في قراراتها الخارجية مصالح حلفائها من الدول كالولايات المتحدة وغيرها من الدول باعتبار أن سياسة دول الخليج العربية تحاول قدر الإمكان أن لا تلحق أضرارا بمصالح الغير خاصة وإن كانت تلك الدول حليفة لها، فالشراكة في المصلحة هي محدد هام من محددات السياسة الخارجية الخليجية.
لكن تلك الدول لا تتوانى على أن تجعل مصلحتها فوق مصلحة الغير إذا ما رأت أن مصلحة الغير لا تنسجم مع مصلحتها أو قد تجلب الضرر لها. ولعلنا في التجربة الأخيرة المتمثلة في موقف الدول الخليجية من السياسة الخارجية الأميركية تجاه الملف النووي الإيراني أبرز مثال على استقلالية القرار السياسي الخليجي عن واشنطن.
لقد جاء الرئيس الأميركي جورج بوش إلى الدول الخليجية حاملاً راية المواجهة مع إيران ومتحزماً بأمل أن تقدم الدول الخليجية التي زارها على أقل تقدير دعماً سياسياً وعسكرياً لسياسته القوية تلك ضد إيران؛ لكن تلك الآمال تبددت بعد زيارته للمنطقة الخليجية حيث استطاعت دول الخليج العربية التي زارها أن تقول «لا» لسياسة السيد الرئيس الأميركي الداعية للمواجهة مع إيران. «لا» الخليجية لم تكن خجولة على الإطلاق بل كانت واضحة كل الوضوح منذ ما قبل وصول الرئيس الأميركي للعواصم الخليجية.
جاء الرئيس الأميركي إلى المنطقة حاملاً أمالاً وطموحات كبيرة وخرج منها حاملاً معه انطباعاً مفاده أن دول الخليج بالفعل قادرة أن تقول «لا» وقادرة على أن لا تساير الولايات المتحدة في مخططاتها. هذا الموقف الخليجي هو رد واضح على الكثير من أولئك الذين يربطون القرار السياسي الخليجي الخارجي بالولايات المتحدة ويعتبرونها دولاً تابعة للولايات المتحدة ومنفذة لكل ما تريده.
لم يكن الرفض الخليجي للمخاطرة العسكرية الأميركية مع إيران هي الـ «لا» الوحيدة التي سمعها أو استنبطها الرئيس الأميركي من دول الخليج التي زارها خلال جولته الأخيرة في المنطقة، بل سمع أيضاً «لا» خليجية أخرى عندما تحدث عن ارتفاع أسعار النفط العالمية وطالب بالحصول على دعم من الدول الخليجية المنتجة للنفط لرفع سعتها الإنتاجية كي يساعد ذلك على خفض سعر النفط المرتفع؛ رد الدول الخليجية لم يأت مسايراً لرغبات الرئيس الأميركي بل جاء واضحاً بأنه لا حاجة لزيادة الإنتاج باعتبار أن المعروض من النفط الخام في الأسواق العالمية كاف ولا صلة لحجم الموجود من النفط بارتفاع أسعار النفط.
هذا الموقف الخليجي دليل واضح على أن دول الخليج ما عادت كما كان الكثير من الأشخاص من المحللين يعتبرونها تعمل لصالح الولايات المتحدة من أجل خلق التوازن في سوق النفط العالمية، هذه الدول أثبتت أنها تعمل لصالحها بالدرجة الأولى ولصالح المصلحة الدولية بالدرجة الثانية ولا تأخذ ما تمليه عليها الدول الأخرى إلا عندما تجد مصلحة فعلية في ذلك.
ولم تكن تلك المواقف هي الوحيدة التي قالت من خلالها الدول الخليجية للرئيس الأميركي «لا»، بل أكدت الدول الخليجية أيضاً على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعلى حقه في العودة إلى أرضه، معارضةً بشدة ما كان يسعى الرئيس الأميركي للترويج له من فكرة إلغاء حق العودة للفلسطينيين وضرورة بقائهم في البلدان العربية التي استقروا بها. الدول الخليجية تمسكت بالمبادرة العربية كأساس لفتح قنوات الاتصال مع إسرائيل ولم تتنازل عن حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه المحتلة.
المواقف الخليجية الثلاثة المذكورة أعلاه والتي لخصت الموقف الخليجي من زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى دول المنطقة تعطي دليلاً دامغاً على أن دول الخليج العربية قادرة على أن تتخذ قراراتها الخارجية بشكل مستقل عن الولايات المتحدة وبشكل يحقق مصلحتها أولاً وقبل كل شي.
وبالتالي فإن القول بأن هذه الدول واقعة تحت نفوذ وسيطرة القرار السياسي الخارجي هو أمر فيه الكثير من المغالطات والمبالغات ولا يعبر عن واقع الأمر الذي يشير إلى أن دول الخليج العربية تنطلق في سياستها الخارجية من مبادئ المصلحة التي تمليها عليها الظروف التي تحيط بها، فإذا رأت في خطوة ما مصلحة لها فإنها تعمل من خلالها وإذا لم تجد فيها مصلحة فإنها لا تتوانى عن أن تقول لا؛ فدول الخليج إذن تستطيع أن تقول «لا» حتى للولايات المتحدة والتجربة الأخيرة برهنت على ذلك.