الأمنية والنبوءة والتصور المستقبلي
قد لا يكون من الدقيق أو الموضوعي الحديث عن «العقل العربي»، وإطلاق الأحكام عليه، لكن من المؤكد أن الموضوعية لا تتعارض أبدا مع الإقرار بحقيقة أن تيارا فكريا يغلب عليه الانتماء اليساري (الماركسي والقومي) يقود الثقافة العربية منذ أكثر من حوالي ستين عاما، وبالتحديد منذ خرجنا من «حفرة» الاستبداد لنهوي في بئر الاستبداد، ونسأل الله ألا تكون «بئرا بلا قرار»!
هذا العقل يعاني ـ ضمن ما يعاني ـ الوقوع في أسر الماضي في رؤيته للذات والعالم معا، وعندما وضع ابن خلدون أسس علم الاجتماع وضع ـ دون أن يدري ـ أسس «علم المستقبليات»، فمحاولة تجريد قواعد للعمران البشري كانت تعني بالضرورة اطراد بعضها بشكل شبه ثابت، ومع الوصول لمثل هذه القوانين يصبح التوقع والاستشراف متاحا.
وبقدر ما تعد السياسة مواءمة بين متعارضات ومفاوضة بين خصوم يعد «التخطيط السياسي» للمستقبل مسعى للتحكم في عوامل لو تركت دون تدخل فإنها تتفاعل بحرية، وهنا نجد سبيكة من: إدراك واقعي وخيال محسوب وطموح لاستباق الآتي.
والمستقبل مساحة عريضة من الإمكان تتحول بالبصيرة الثاقبة لمخطط يمكن إنجازه مهما بدا كبيرا. واتخاذ الواقع مبدأ ومنتهى للنظر السياسي يفضي للجمود والتحول من «فاعل» إلى «منفعل».
وفي كل رؤية كونية، «محددات» رؤية مستقبلية يمكن البناء عليها، لكن العقل السياسي العربي أصيب بعجز عن التخيل، ومن يراجع مثلا تجارب النجاح الاقتصادي الشرق آسيوية في نصف القرن الماضي ويقارنها بحصيلة الفترة نفسها من مسيرتنا يذهله البون الشاسع بين «قدراتنا» و«قدرنا».
فمثلا، تجارب النمور الآسيوية لم تكن لتنجح لولا خيال سياسي جرئ. وهذه السمة توجد غالبا في الأمم ذات الثقافات الغنية عندما يحكمها الخوف بأن ذاتها مهددة، فعندئذ تصبح كل خطوة محل شك وموضع تردد..
ولنأخذ مثال انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد كان بالنسبة للأميركيين: أمنية ونبوءة وتصورا مستقبليا، فمنحتهم الأمنية أملا، وأعطتهم النبوءة ثقة، وكان التصور المستقبلي جسرا بين الكائن والمأمول. وخلال التاريخ الغربي طرحت تصورات لمستقبل العالم، صحيح أن كثيرا منها بدأ وانتهى مجرد «تصورات»، لكن تحول المستقبليات من التنجيم إلى «علم» ضيق الهوة كثيرا بين الكلام عن المستقبل وتخطيطه.
وعندما يكون لدى صانع القرار العربي ملف عنوانه: «هكذا نريد العالم»، نكون قد بدأنا طريقنا لبناء المستقبل، لا عبر التمني وبناء الأسوار العالية لتحمينا من السيناريوهات المستقبلية للآخرين، بل بوضع سقف يناسب طموح أمة تملك مقومات تمكنها من المساهمة في صياغة مستقبل العالم.
والمستقبل الذي لا نجتهد لتخيله وتخطيطه هو في الغالب مجهول سوف يدهمنا ونحن غافلون. والتفكير في الحاضر والتخطيط للمستقبل لا يكادان ينفصلان، وكم من حاضر أهدر المستقبل أو وأده قبل ميلاده.
ومن التوازن الغائب يمتد التناقض بين أدبيات التمني والبكائيات الحارة على حالنا، إن «أدبيات التمني» في ثقافتنا مزدهرة أيما ازدهار وينافسها في الازدهار بكائيات مريرة على حالنا، وبين النقيضين المتطرفين نعاني فقرا في الأفكار رغم أن القرنين الماضيين كانا العصر الذهبي للأفكار ودورها في التاريخ، بل إن الأفكار أزاحت ـ وإلى الأبد ـ دور عوامل مثل: القوة والإرادة والموارد الطبيعية والثقل السكاني، في تحديد شكل المستقبل.
وما نقصده بغياب الأفكار غياب الأفكار الكبيرة المحركة للتاريخ، فالفكرتان الكبيرتان خلال القرنين التاسع عشر والعشرين (الرأسمالية والاشتراكية) نشأتا في الغرب، والأمر نفسه ينطبق على الأفكار الكبيرة في: الإدارة والقانون الدولي والتنظيم التكنولوجي، بل لم تشهد ثقافتنا أفكارا مهمة في الفكر العسكري، فرغم الصعود المشهود لروح العسكرة في بلادنا، لم يظهر لدينا مفكر يمكن إدراجه في طابور صناع تاريخ الفكر العسكري، من الصيني صن تزو إلى الألماني كلاوزفيتز.
ومن أسباب غياب الأفكار الكبيرة في عالمنا التغييب المتعمد ل«صناع الأفكار»، وفي اليابان تحت الحكم الفاشي كانت علاقة السياسيين وأصحاب الفكر علاقة عداء، فتمتع السياسيون بالسلطة ومزاياها وظل مستواهم الثقافي متدنيا.
وكانت كراهية المفكرين للسلطة ـ مضافة لافتقارهم للاستقلال المالي ـ سببا لمنعهم من المشاركة السياسية فأصبح دورهم محدودا، وبلغ ضعفهم حد تلقيبهم بألقاب منها: «المفكرون الضعفاء» «المتملقون الأذلاء»، ولذا لم يستطيعوا كبح جماح العسكريين اليابانيين، حتى وصلت اليابان للكارثة.
ومن أسباب غياب الأفكار الكبيرة أيضا، الخلط بين «القيم» و«الأفكار»، فما أرساه الإسلام من قيم ومعايير في الاجتماع الإنساني جعل البعض يعتقد أن أعمالها وحده يصنع النهضة، ما جعل معظم المثقفين لا يشغلون أنفسهم أساسا بالأفكار.
وهذه القيم كانت محل احترام عندما نقل الخليفة عمر بن الخطاب فكرة الدواوين مثلا، وهي الفكرة التي كانت منعطفا تاريخيا، فالإجابات التي قدمها الإسلام هي في مجال المعايير والأهداف، وليس الوسائل.
فإذا انتقلنا للواقع العربي، وجدنا مؤسسات تعليم تحولت إلى «مدارس عليا» تخرج الآلاف من المتعلمين المفتقرين لصفات الشخصية الابتكارية الفعالة العاجزين عن التفكير النقدي، وهي خطيئة سببها قناعتنا بأن كل الأجوبة محددة سلفا وعلينا العمل وسيحدث التقدم آليا.
ومع غياب الشروط الموضوعية لازدهار دور الأفكار في الواقع غابت مصانع الأفكار كجزء من تحييد المجتمع المدني كله: الأحزاب، الجمعيات، الأوقاف، وتقليم أظافره بشكل قاسٍ، كثمرة لمناخ شمولي عم بلادنا مع نشوء الدولة الوطنية، والآن ـ بعد نصف قرن ـ فإن من خرجوا من دمار الحرب العالمية الثانية، وكان شاملا، ربحوا المنافسة مع أمم، خرجت في التوقيت نفسه تقريبا من آثار الاستعمار، والرابحون كانوا مسلحين ب«الأفكار»، والخاسرون كانوا مسلحين بـ «الإرادة».
والمشكلة أعمق بكثير من المفاضلة بين الأفكار المطروحة على الساحة والأوزان النسبية لاتباعها، أو حتى وجاهة مقولاتها، إذ يستشعر المواطن العربي أن المشكلة مشكلة جدوى، فما معنى أن أقيم الأفكار المطروحة لأختار لافتة أقف تحتها، إذا لم يترتب على الاختيار حق أصحابه في الدعوة لأفكارهم ومنافسة الآخرين في مضمار محدد وفق قوانين توضع لتحترم؟
فكيف نتصور أن تتقدم أمتنا وشعوبها محرومة من حقها في الديمقراطية كتداول للسلطة، والقضاء النزيه المستقل كميزان لعلاقة كل الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين، والحرية الاقتصادية كمناخ تنافس اقتصادي شفاف، والحق في المعرفة والمساءلة، كشبكة متكاملة من التشريعات والممارسات تمكن المواطن الفرد من الحصول على المعلومات، والحق في مساءلة الحاكم والرقابة على أعمال الحكومة؟.
إن العزوف عن المشاركة في الحاضر، والزهد في الحلم بمستقبل أفضل، ليس نجاحا لأجهزة الأمن السياسي في تحقيق «الاستقرار»، بل جرس إنذار، والمجتمعات تصاب ب«السكتة السياسية» قبل أن تنفجر أو تموت!
وللحديث بقية
كاتب مصري