عمليتا التفجير المروع اللتان وقعتا في بغداد يوم الجمعة؛ رسالة قاسية محملة بالمدلولات والإنذارات، إلى كافة الأطراف العراقية. فحواها أن الساحة غاصت، أكثر من اللزوم، بأوهام عديدة ومتنوعة؛ كما أنها تمادت بعيداً بالانشغال بصراعات المحاصصة، على حساب الاستحقاقات الكبيرة والأساسية.

وبقدر ما هي تذكير دموي بربري بمدى هشاشة الساحة وسرعة عطبها، المفتوح على المزيد من الانتكاس؛ بقدر ما هي دعوة صارخة وعاجلة لوجوب الالتفات وبسرعة إلى الجذور السياسية للأزمة من أجل التصدي لها، بما يكفل الخروج من دوامتها القاتلة. أو على الأقل وضع البلد على سكة مثل هذا الخروج.

أولى الخلاصات أن النوم على حرير الأمن، بعد التحسن النسبي الذي تحقق في الآونة الأخيرة؛ هروب أقرب إلى الوهم. الاحتلال ساهم في الترويج لمثل هذا التطور. ترك ذلك بصورة وهمية، عن وضع أمني أفضل. لا شك أن درجة ملحوظة من السيطرة الأمنية قد تحققت. ولا شك أن الأمن أمر حيوي مصيري في العراق. لكن الذي لا شك فيه أيضاً، هو أن استتبابه ورسوخه مشروط بعافية المناخ السياسي.

ثانياً، ان حرق الوقت بلعبة شد الحبال وتحصين المواقع الفئوية، محكوم بزيادة الطين بلة. لا يؤجل المشكلة فقط، بل يفاقمها. فالانشغال بالصراعات الحصصية على حساب الاستحقاقات الدستورية والسياسية، لا يطيل أمد الأزمة فقط؛ بل يزيد من تعقيدات هذه الصراعات ويدفعها إلى توليد وتفريخ المزيد من الخلافات، وعلى غير انقطاع. وهذا هو بالذات ما حصل.

الخلافات على توزيع الموازنة والحصص النفطية تفاعلت وطلعت إلى السطح وتكاد تمسي مشروع أزمة بحالها. كذلك هو موضوع التعيينات في الجيش وقوى الشرطة. الاتهامات بالانحياز إلى هذا الصوب أو ذاك أيضاً انفجرت علناً. المصادقات على قوانين، تم التصويت عليها في البرلمان، تتعثر هي الأخرى بسبب الاعتراضات عليها من الزاوية السياسية.

الحصيلة، قوانين مجمدة؛ بصرف النظر عن جدارة الأسباب. وهكذا هو حال التعديلات الدستورية التي طال انتظارها، من دون أن ترى النور بعد. ثالث بنود رسالة التفجير، هو أن جميع المعضلات والإشكالات والتعقيدات، في العراق، لا ولن يستوي ويستقيم حلها خارج مظلة المصالحة الوطنية الشاملة.

في غياب هكذا مشروع، أو على الأقل وضع البلد على سكته؛ لم تكن النتيجة سوى المزيد من الابتعاد عن طريق الخلاص وجعل بلوغه مهمة شبه مستحيلة. هذا ما تقوله الوقائع على الأرض، بعد حوالي خمس سنوات على الاحتلال الأميركي للبلد. الرئيس بوش يبدو أنه تراجع عن تلميحاته بخصوص تخفيض حجم القوات الأميركية، قبل نهاية ولايته. هو أصلاً لم يكن عازماً على ذلك. يزعم أن الاحتفاظ بها على حالها، أمر ضروري لاستتباب الأمن في العراق.

يرتكب العراقيون، أو بالأحرى يواصلون ارتكاب الخطيئة نفسها لو هم واصلوا المشاحنات والصراعات حول الحصص، معولين على المراهنات الأمنية الأميركية؛ تجنباً لمواجهة المصالحة، كشرط واجب لإنقاذ العراق. البديل من البضاعة ذاتها. وتفجير أمس تذكير بليغ ومؤلم بذلك.