تشرين - سوريا

الأحصنة الأميركية تجرّ الحلم الصهيوني

ما بين تقريري فينوغراد الإسرائيلي وبيكر ـ هاميلتون الأميركي علاقة ما، ربما تكون غير مرئية، وخيط رفيع، على الرغم من التباعد النظري بينهما في الزمان والمكان وربما في الهدف والغاية.

لكن هناك قواسم مشتركة في هذين التقريرين، أهمها أن هناك خللاً ما في السياستين الأميركية والإسرائيلية أدى إلى فشل العدوان الإسرائيلي ـ الأميركي على لبنان وإخفاق العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على العراق. ‏

قد يكون مفهوماً للآخرين، خاصة المدافعين عن المشروع الأميركي، أن نربط العدوان الإسرائيلي بالإدارة الأميركية، فالأدلة على ذلك كثيرة ليس أبرزها ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية كوندي خلال عدوان تموز 2006 من أن ما يجري هو مخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد، إضافة إلى وقوف إدارة بوش ضد اتخاذ مجلس الأمن الدولي قراراً بوقف ذلك العدوان ظناً من هذه الإدارة أن تمديد الوقت قد يسمح لإسرائيل بإنجاز مهمتها في اجتثاث المقاومة من لبنان والمنطقة، ومن ثم تمهيد الطريق أمام شرق أوسطهم الجديد؛ قد يكون مفهوماً لدى الآخرين هذا الربط، ولكن قد يلومنا بعض الناس على ربط العدوان الأميركي على العراق بإسرائيل، وحجة هؤلاء أن العدوان والاحتلال تمّا بإرادة أميركية ونفّذته الجيوش الأميركية. ‏

لكننا نصر على أن ما جرى للعراق الشقيق كان لأهداف إسرائيلية أولاً، وأميركية ثانياً. ‏

فإذا كان احتلال العراق تم بأدوات أميركية وبأهداف أميركية معلنة: تارة لإزالة خطر أسلحة الدمار الشامل، وتارة لتخليص العراق من حكامه وتارات لنشر الديمقراطية، إلا أن إعلان هذه الأهداف بالتتالي لا يمكنه إخفاء الهدف الإسرائيلي القديم والمبني على خرافات توراتية ـ تلمودية تتحدث عن إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. ‏

مثل هذا الكلام معروف في «أدبيات» الصهيونية العالمية، لكنه أيضاً معروف في العمل السياسي الإسرائيلي ولاحقاً الأميركي، وما تبناه بوش عن «يهودية» إسرائيل خير دليل على ذلك. ‏

في 14 شباط 1982 نشرت مجلة «كيفونيم» الناطقة بلسان منظمة المؤتمر الصهيوني ما وصفته بأنه استراتيجية إسرائيل لعقد الثمانينيات وهذه «الاستراتيجية» تقضي بتمزيق المنطقة العربية وتدمير قواها، والبداية من العراق الذي يجب أن يضرب وتفتت قواه وقوته و.. يقسّم! ‏

لا نريد المضي قدماً في تقديم المعلومات عن هذا التقرير فالعنوان الأول يقود أي متابع إلى استنتاج ما تحمل الفقرات الأخرى منه. ‏

وجاءت إدارة جورج بوش إلى البيت الأبيض قبل سبع سنوات لتبثّ الروح في هذا المشروع الأسطوري العدواني، وذلك لسبب بسيط هو أن المحافظين الجدد الذين تتكون منهم هذه الإدارة يؤمنون بالحلم الصهيوني الأسطوري أكثر من الإسرائيليين، ويعملون لمصلحة إسرائيل أكثر مما يعملون لمصلحة الولايات المتحدة ولدافع الضرائب الأميركي. ‏

لذا، فمن الطبيعي أن يكون العراق هدفاً أميركياً وإسرائيلياً معاً، وأن يكون العدوان على لبنان عدواناً إسرائيلياً ـ أميركياً، وخاصة أن الجانبين لا يخفيان تحالفهما الشيطاني عن العالم أجمع، والتحالف الاستراتيجي بينهما معلن على رؤوس الاشهاد، والمساعدات العسكرية والمالية والهبات الأميركية لإسرائيل كشلال لا ينقطع، فأمن إسرائيل أولوية للولايات المتحدة بكل إداراتها جمهورية كانت أم ديمقراطية، وقوة إسرائيل العسكرية يجب أن تفوق قوة كل الدول العربية، بل دول المنطقة دون استثناء. ‏

الاحتلال الأميركي للعراق جاء لأهداف إسرائيلية ـ صهيونية بامتياز، والعدوان الإسرائيلي على لبنان كان لأهداف أميركية بامتياز أيضاً، لذا فإن المعلن من تقرير فينوغراد هو إعلان خسارة أميركية ونكسة كبرى لمشروع الشرق الأوسط الجديد، بقدر ما هو إعلان هزيمة «الجيش الذي لا يقهر» الذي يغرف من مستودعات السلاح الأميركية ما يشاء من أحدث الأسلحة الفتاكة والمدمرة والمحرّمة دولياً. ‏

لذا فهناك رابط بين تقرير بيكر ـ هاملتون عن غزو العراق، وتقرير فينوغراد عن العدوان على لبنان، وكلاهما يوجه أصابع الاتهام إلى النخبة السياسية ـ العسكرية الأميركية والإسرائيلية ليس من باب النقد وكشف الأخطاء والثغرات، بل من أجل عدم تكرار هذه الأخطاء بما يؤدي إلى تحقيق الأهداف الصهيونية التي تنشدها الإدارة الأميركية وإسرائيل. ‏

تقرير فينوغراد اعترف بالتقصير لكنه اعترف أولاً أن السبب في العدوان لم يكن لإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين الذين أسرتهم المقاومة، بل من أجل غايات أخرى تدخل في المشروع الأميركي ـ الصهيوني، وهذا خير رد على الذين تآمروا على حزب الله، وأرادوا تحميله مسؤولية العدوان. ‏

هل يدرك العرب اليوم أن الإدارة الأميركية ليست شريكاً لهم، وإنما شريك في العدوان عليهم من العراق إلى لبنان وفلسطين وصولاً إلى آخر بقعة من الأرض العربية؟ ‏

وهل هناك من يصرّ على المراهنة على أحصنة أميركا الخاسرة وهو يعرف أنها لن تجرّ إلا عربة الأحلام الصهيونية على أجساد العرب وهويتهم وكرامتهم؟ ‏

نرجو أن نصحو الآن قبل أن نذكّر العرب بما قالت أم عبد الله الصغير عندما أنّبته وهو يغادر غرناطة: «لا تبك كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال». ‏

طباعة Email
تعليقات

تعليقات