مع انقلاب لابد أن نعترف بوقوعه في بعض الثوابت، وفي ظل أوضاع وطنية وعربية وإسلامية تنبئ عن مواطن للخلل الهيكلي السياسي وبالتالي الاقتصادي والاجتماعي، وعن عدم وضوح كامل أو اتفاق شامل حول الرؤية الاستراتيجية للأمن الوطني والقومي والإقليمي الشامل، وتباين في تحديد اتجاه البوصلة حول من هو العدو الحقيقي.
ومن هو مصدر التهديد الحقيقي لهذا الأمن، أهو طرف وطني أم عربي أم إسلامي، أم هو الخطر الصهيوني المسلح بكل دعم أميركي، الساعي إلى تفجير كل ما هو وطني وعربي وإسلامي لصالح المشروع الامبراطوري الصهيو أميركي؟.
وحول ما إذا كان صحيحاً أو مفيداً، استقواء أو ارتهان طرف وطني أو عربي أو إسلامي بالخارج خاصة بالإسرائيلي أو بالأميركي معاد على طرف وطني أو عربي أو إسلامي شقيق، أم الصحيح المفيد الوحيد هو الاستقواء الجماعي بالثوابت الوطنية والعربية والإسلامية؟
ومع اختلاط بعض الأوراق، وتشوش بعض المفاهيم حول الموقف من لا مشروعية الاحتلال، وحول ما إذا كان يمكن أن يسمى الاحتلال تحريراً؟.. ومن حق الشعوب في مقاومة أي احتلال للوطن، أي وطن، و حول إذا كان يمكن اعتبار المقاومة الوطنية بكل الوسائل إرهابا،
ومن لا مشروعية الإرهاب الإجرامي، بما في ذلك جرائم الحرب التي يرتكبها المحتلون ضد الشعوب، وحول ما إذا كان يمكن اعتبار المجازر والقصف الجوي والاجتياح البري والاغتيالات والاعتقالات للمقاومين والمدنيين على السواء «دفاعا عن النفس»؟!
في ظل ذلك كله ولإعادة صياغة المواقف من كل ذلك بإعادة النظر فيما نحن فيه وصولا إلى ما نتطلع إليه، وإصلاحا للخلل القائم، وتصحيحا لاتجاه البوصلة، وتحديدا للمفاهيم الصحيحة برؤية مشتركة، مواجهة لأي خطر قائم أو قادم، فلابد من وقفة.. وقفة مع النفس، ومع الشقيق، ومع الصديق ومع العدو.
وقفة وطنية وطنية، و عربية عربية، ووقفة إسلامية إسلامية.. للتساؤل والمساءلة، وللتراجع والمراجعة للتقويم والتصحيح قبل فوات الأوان لتوفير شروط الوحدة كشرط للقوة، وتوفير شروط القوة كشرط للنصر،
بما يفتح القلوب المغلقة والعقول الضيقة، والرؤى المحدودة المدى والضيقة الأفق للحوار الواسع وصولاً بالحوار الوطني إلى الوفاق الوطني وبالحوار العربي إلى الوفاق العربي وبالحوار الإسلامي إلى التضامن الإسلامي العربي لبناء وتقوية أعمدة الدفاع الجماعي المشترك ضد هذه الحرب الاستعمارية الجديدة.
من بين الملفات العربية الخمسة الساخنة، يفرض الملفان الفلسطيني واللبناني نفسيهما بإلحاح على الاهتمام العربي الشعبي والرسمي، ويتقدمان بطبيعتيهما المتفجرة والمنذرة بالخطر، والمؤثرة على مجمل الوضع العربي على غيرهما من الملفات الثلاثة الأخرى بخطوتين على الأقل.
وفي ظل واقع وطني في فلسطين ولبنان يسر العدو ويؤلم الشقيق ويحير الصديق في محيط عربي ينبئ بالخلاف والانقسام السياسي والمذهبي، بفعل شكوك غير مبررة ومخاوف مصدرة لإحداث شروخ ومحاور ومواجهات مقررة،
وفي ظل استجابة غير مفهومة بعلاقات حميمة مع الأعداء، دون استجابة غير مفهومة للتوافق مع الأشقاء والأصدقاء، وفي ظل القبول العربي في أنابوليس بطي صفحة «مبادرة السلام العربية» والقبول بالأولوية لـ «خارطة الطريق الأميركية».
في واقع عربي وإسلامي هذه وقائعه المؤسفة وهذه مقدماته ووسائله ونتائجه المفلسة، وتزداد فيه الفجوة تدريجيا بين القول والفعل الرسمي عن الفكر والأمل الشعبي، بفعل ما يبدو من سوء المقدمات وسوء الوسائل
وسوء النتائج أوصلنا إلى ما نحن الآن بسبب غياب وحدة الهدف ووحدة الصف الذي أدى إلى الانقسام والضعف القومي والوطني.. لابد من وقفة مع النفس أولاً حتى نتمكن من المبادرة إلى وقفة في مواجهة العدو، وإلا فالأسوأ قادم، والمستقبل في المنطقة كلها يمكن أن ينزلق إلى المجهول!.